من الظواهر التي يعتبرها الكثيرون مسيئة للمشهد الثقافي والفني بالخصوص بالمغرب، اضطرارُ فنانين إلى طرق أبواب من قد يحسنون إليهم، أو من ينتشلونهم من أنياب الفقر والفاقة، أو من يهدونهم شقة أو رخصة نقل “كريما”، أو من يدفع عنهم شبح المرض ومخاطره. ولاحظ كثيرون في هذا السياق كيف أن ممثلين مغاربة، يقابلهم الجمهور بكثير من الاحترام والاحتفاء، بالنظر إلى مساراتهم الفنية المتألقة على امتداد سنوات طويلة، كانوا يتحدثون للملك محمد السادس، بمناسبة ذكرى عيد العرش، فيما بدا واضحا تقديم بعضهم لطلبات خاصة للعاهل المغربي. وأوردت منابر إعلامية أخبارا حينها بشأن طلب فنانين وشحهم الملك بأوسمة مختلفة، لأمور وطلبات خاصة رفضوا الإفصاح عن فحواها، خاصة أن العاهل كان يتحرى سؤالهم عن صحتهم، وعما إذا كانوا يحتاجون شيئا، وهي مناسباتٌ غالبا ما يستغلها بعض الفنانين لتقديم طلباتٍ بمساعدتهم على مواجهة أعباء الحياة. ويعلق الناقد المغربي، فؤاد زويرق، على هذه الظاهرة التي تتعلق بلجوء فنانين مغاربة إلى أعتاب الملك لمساعدتهم، بالتأكيد على أنها “نتاج منظومة مازالت تُسير بآليات كلاسيكية عتيقة عن قصد، حتى تستمر هذه الظاهرة وتتقوى”، مبرزا أن “الدولة تساهم بنسبة كبيرة في استمراريتها”. ويضيف زويرق، في تصريح لهسبريس، بأنها “إستراتيجية تقليدية أكل عليها الدهر وشرب، وتجاوزها الزمن”، متابعا بأن “تجويع الفنان المغربي ومحاربته في رزقه إيديولوجية ظالمة انتهجها النظام البصري الذي يعادي كل فنان تجاوز الخط المرسوم له، ويحارب كل فنان حاول معارضة النظام أو انتقاده ولو بالتلميح”. واستطرد الناقد الفني بأن “الفنان كان في حقبة الوزير الراحل، إدريس البصري، متهما حتى يثبت العكس، حيث كان بعض الفنانين يكافئون، ويجزل لهم العطاء بسخاء، وآخرون يُقصون ويُهمشون، لكونهم فكروا في تحدي النظام، والوقوف إلى جانب الشعب من خلال فنهم”. وأكمل زويرق بأن “الفنان المغربي كان بصفة عامة مهمشا ومازال، كونه صوت الشعب ولسانه، بل هو واجهته وخطه الأمامي، فمنه يُطلق صرخاته وتأوهاته، وبه يجسد معاناته وآلامه، ومن خلال فنه يناضل ضد الظلم والاستبداد، وهي عناصر تجعله أمام جبروت الدولة ومؤسساتها الوصية”. واسترسل المتحدث قائلا “لو ضمنت الدولة للفنان حقوقه، وناضلت من أجلها، لما مارس التسول على أعتاب المسؤولين، وكبار رجالات الدولة، ولو وجد الفنان المغربي نفسه معززا مكرما لما أهان نفسه وفنه ومسيرته، ووقف يستجدي الدولة في كل فرصة ومناسبة، وأمام الملأ.” وذهب الناقد المقيم بهولندا إلى أن “الدولة تستمتع بتجويع الفنان المغربي وإذلاله، حتى لا يفكر أبدا في أي شيء آخر دون بطنه”، قائلا إنها “إيديولوجية مدروسة تُحول الفن الجاد الملتزم القادر على نقل هموم الناس وتظلماتهم إلى مجرد آلة ميكانيكية لا روح فيها، وكل همها توفير متطلبات العيش البسيطة لأصحابها”. واستدرك زويرق بأن هذه الظاهرة سلبية لا شك في ذلك، لكن ليست للفنان المغربي يد في تكريسها، فهو مجرد أداة في يد جهاز يعرف كيف يستغل الفن لصالحه بذكاء، وهذا لا ينفي أن هناك بعض الفنانين الخبثاء الذين اتخذوا من التسول مهنتهم رغم عدم اضطرارهم إلى ذلك”. ولفت المتحدث إلى أن هناك عامل يساهم في تكريس هذه الظاهرة، وهو استحواذ شركات الإنتاج على ملايين الدراهم من أموال الشعب، ورمي الفتات للفنانين المشتغلين معهم دون حسيب أو رقيب”، مردفا أنه “ما دامت الدولة تتغاضى على مثل هذه التصرفات الإجرامية فهي شريكة فيها” وفق تعبيره.
التعليقات