رسالة شكر واعتذار إلى عمال النظافة : جنود الظل المجهولون

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 28 مايو 2026 - 3:10 مساءً
رسالة شكر واعتذار إلى عمال النظافة : جنود الظل المجهولون

* العاصمة 24 – بقلم ذ . قنوفة المصطفى

كل صباح، ونحن نفتح نوافذنا على شوارع نظيفة وأزقة مرتبة، لا ندرك أن هذا المشهد الأنيق لم يأت من فراغ، خلف كل زاوية نظيفة، هناك رجل يعرق، وامرأة تتعب، وقلب يئن تحت حمل الأكياس الثقيلة ووهج الشمس وبرد الشتاء.
إليكم أيها الرجال والنساء الذين يرتدون الزي المميز، أقولها بكل فخر: “أنتم أبطال لا تظهر صوركم في الجرائد، لكن آثار عملكم تظهر في كل زقاق، وفي كل شارع، وفي كل نفس نتنفسه بعيداً عن القمامة والروائح الكريهة.”
شكراً من القلب، شكراً لكم على كل صباح تشرقون فيه قبل الشمس، على كل ليلة تغيبون فيها بعد آخر عابر، شكراً على ظهوركم المتعبة، وعلى أجسادكم التي تئن تحت ثقل المسؤولية، وعلى صبركم الذي لا ينضب رغم قلة الأجر وكثرة الجهد، شكراً لأنكم تمسحون قذارة بعض الناس بابتسامة صامتة، وتنظفون مدننا كما لو أنها بيوتكم، رغم أن الكثيرين لا يعتبرونكم أبناء هذه البيوت.
اعتذر إليكم باسم من لا يستحق الاحترام، أعتذر إليكم نيابة عن كل من ألقى بكيس قمامة من نافذة سيارته أمام أعينكم، أعتذر عن كل من يضع النفايات خارج الحاويات، وعن كل من يفرغ منفضة سجائر على رصيف نظيف انتهيت للتو من كنسه، أعتذر عن كل من ينظر إليكم بازدراء، وعن كل من يمر بجانبكم كأنكم لستم هناك، وعن كل من يرفض أن يمد يد العون حتى بوضع كيسه داخل المكان المخصص له.
لا يسعني إلا أن أندد بسلوكيات لا تليق بإنسان، لست أفهم كيف يمكن لإنسان أن يرمي قمامة في الشارع وهو يرى بأم عينيه عاملاً ينظفه؟ كيف يمكن لأم أن تعلم أطفالها احترام المعلم والطبيب، لكنها لا تعلمهم احترام عامل النظافة؟ كيف نطالب بمدن نظيفة ونحن أول من يلوثها؟ كيف نطالب بزيادة أجورهم ونحن أول من لا يحترم جهدهم؟
فسلوكيات بعض الساكنة لا توصف إلا بالعجز واللامبالاة: رمي الأزبال وسط النهار خارج الأوقات المحددة، إلقاء القمامة من الشرفات، تكسير الحاويات، حرق النفايات في الشارع، إهانة العمال بالكلمات أو النظرات، هل هذه هي حضارتنا؟ هل هذه هي أخلاقنا؟
ومن هنا أوجه رسالة إلى كل ساكن، أنت لست محسناً حين تتعاون مع عامل النظافة، أنت تؤدي واجبك الأخلاقي والقانوني والديني، إنسانيتك تقاس بمدى احترامك لمن هم أقل منك أجراً وليس لمن هم أعلى منك مكانة.
موقف بسيط منك: أن تضع كيس القمامة داخل الحاوية في وقتها المحدد، ألا ترمي الزبالة من نافذة السيارة، أن تشكره عندما تراه، أن تتبرع بكلمة طيبة أو زجاجة ماء في يوم حار… هذا لا يكلفك شيئاً، لكنه يصنع فرقاً كبيراً في حياة إنسان يكدح ليحيا بكرامة.
أختم كلامي بطرح سؤال: إلى متى؟
إلى متى نظل ننظر إلى عمال النظافة كأنهم طائفة أقل منا؟ إلى متى ننسى أنهم بشر مثلنا، لهم أحلام وآلام وأسر تنتظرهم؟ إلى متى نضرب بعرض الحائط مقولة رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام: “إماطة الأذى عن الطريق صدقة”؟
لا يتغير شيء ما لم نتغير نحن. دعونا نبدأ اليوم: بأنفسنا أولاً، ثم بأبنائنا، ثم بأصدقائنا، دعونا ننظر بعين الاحترام لكل عامل نظافة، وندرك أنه لو توقفوا جميعاً ليوم واحد، لغرقنا نحن في قمامة لا تعرف الرحمة.
شكراً لكم أيها الشرفاء، وعذراً على قسوة وجهل بعضنا. وأنتم أيها الساكنة: “القمامة في الحاوية، والاحترام للعامل، والنظافة للجميع.”

شـاركها الأن
رابط مختصر