عبد الرزاق الجباري يكتب : هل إلغاء السلطة التقديرية للقاضي الجنائي يحقق العدالة أم يهدمها ؟!

* العاصمة24 – بقلم الدكتور عبد الرزاق الجباري
يثار، في كل مرة وحين، نقاش حول السلطة التقديرية للقضاة وحدودها في تفريد الجزاء الجنائي، وغالبا ما يكون مثيرُ هذا النقاش غير مختصٍّ ولا مُلمٍّ بتفاصيله ودقائقه لدرجة أنه لا يتردد في مطالبته بإلغائها أو التضييق من نطاقها تضييقا يكاد يكون إلغاءً لها.
وقبل الحديث عن حدود هذه السلطة، لا بد من استيعابها وفهمها عن طريق التذكير بالمراحل العلمية التي مرت بها:
المرحلة الأولى: تمتد هذه المرحلة من القرن 16 الميلادي إلى حين قيام الثورة الفرنسية سنة 1789، حيث كانت السلطة التقديرية في هذه المرحلة مطلقة، وهو ما سُمِّي بـ “نظام العقوبات التحكمية”، إذ لم تكن الجرائم والعقوبات ثابتة ومحددة مسبقا، وكان القضاة مجرد أداة يستغلها الحاكم السياسي للسيطرة على خصومه ليس إلا، يحكمون بعقوبات ظالمة وقاسية ووحشية لأتفه وأبسط الأفعال.
المرحلة الثانية: تمتد هذه المرحلة من الثورة الفرنسية لسنة 1789 إلى غاية سنة 1810، حيث كانت السلطة التقديرية للقضاة في هذه المرحلة مقيدة، وهو ما سُمِّي بـ “نظام العقوبات القانونية الثابتة”، وقد جاءت كرد فعل عن النظام السابق، إذ جُرِّد القاضي من أي سلطة لتقدير العقاب وتفريده، واقتصر دوره، فقط، في التطبيق الآلي لقائمة الجرائم والعقوبات المحددة مسبقا وبشكل ثابت ومجرد من قبل المشرع، فكان القاضي، حينئذ، أداة في يد المشرع لا غير.
ومن الانتقادات التي وجهت لهذا النظام، أنه لا يعير أي اهتمام بشخصية المجرم، ولا بظروف وملابسات ارتكاب الجريمة، وإنما يعتمد على طبيعة الجريمة المرتكبة حسب القائمة المحددة سلفا، وهو ما كان يفضي في الغالب الأعم إلى إيقاع عقوبات قاسية على جرائم بسيطة.
المرحلة الثالثة: تتجسد هذه المرحلة في تعديل النظام العقابي الفرنسي بإقرار قانون سنة 1810 وبعده قانون 1832 إلى ما بعدهما، حيث كانت السلطة التقديرية للقضاة في هذه المرحلة نسبيةً، وهو ما سُمِّي بـ “نظام العقوبات القانونية القضائية المتدرجة” ؛ إذ حدد المشرع، في ضوئه، العقوبة بحدين، أولهما أدنى والآخر أقصى، كما أقر ظروفَ التخفيف التي تُمَكِّن من النزول عن الحد الأدنى للعقوبة، ووَقْفَ تنفيذ العقوبة، والأعذار القانونية المُعفية أو المخففة من العقاب، وانعدام مسؤولية الفاعل لخلل عقلي أو نقصانها لضعف عقلي، والتدابير الوقائية الشخصية كالإيداع بمؤسسات للعلاج، فترك للقاضي سلطة نسبية في تفريد الجزاء الجنائي باختيار نوعه ومقداره الملائم لشخصية المجرم مع ما يتناسب وخطورة الجريمة المرتكبة.
وقد جاء هذا النظام لإصلاح مساوئ النظامين السالفين المتطرفين اللذين تمحورا حول الجريمة كبنية مادية موضوعية دون أي اهتمام بشخصية المجرم كمكون شخصي ذاتي. وهو، بذلك، نظام يقوم على فكرة التناسب بين طبيعة الجريمة المرتكبة والباعث النفسي على ارتكابها من جهة، وبين الجزاء الكفيل بردع المجرم وإصلاحه في نفس الآن من جهة أخرى.
ولما كانت السلطة التقديرية للقضاة في تفريد العقوبة وتقديرها مرت عبر المراحل العلمية المذكورة، فإن العديد من الدول تبنت النظام الأخير في إصلاح أنظمتها العقابية وسياساتها الجنائية، مما يتبين معه أن الدعوة إلى إلغاء تلك السلطة أو التضييق من نطاقها هو دعوة ضمنية للعودة إلى أحد النظامين اللذين تجاوزهما الفكر الجنائي الحديث؛ إما نظام العقوبات التحكمية، أو نظام العقوبات القانونية الثابتة حيث لا مجال لتدخل القاضي في تفريد الجزاء، مع أن العدالة والإنصاف يقتضيان معالجة كل قضية على حدة؛ لأن المجرمين ليسوا على صعيد واحد من حيث النوايا ودرجات الانحراف، كما أن ظروف وملابسات ارتكاب كل جريمة يختلف من قضية لأخرى.
فمن يرتكب جريمة، مثلا، عن سبق إصرار وترصد ليس كمن ارتكب نفس الجريمة بشكل عرضي أو تحت تأثير الاستفزاز أو الإكراه أو الدفاع الشرعي أو الضرورة، كما أن الفاعل السَّوِيَّ العادي ليس هو الفاعل الذي يعاني، مثلا، من خلل عقلي أو ضعف في قواه العقلية.
وتحصيلا مما سبق، فإن العدالة لا تتحقق بتوحيد العقوبات، وإنما بتوحيد المبادئ التي تُطبَّق في ظلها، مع مراعاة ما بين الوقائع والأشخاص من اختلاف في الظروف والنفسيات، وهذا هو عين المساواة المفضية إلى العدل والإنصاف.
★ بقلم عبد الرزاق الجباري، الرئيس السابق لنادي قضاة المغرب