ياسر اليعقوبي يكتب .. “الأصوات تفتح أبواب السلطة، أما الكفاءات فهي التي تبني الدول”

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 25 يونيو 2026 - 2:41 مساءً
ياسر اليعقوبي يكتب .. “الأصوات تفتح أبواب السلطة، أما الكفاءات فهي التي تبني الدول”

* العاصمة24 – بقلم ياسر اليعقوبي –

قراءة في الحاجة إلى الانتقال من التنافس حول المقاعد إلى التنافس حول الكفاءات.
كتب عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر أن “السياسة هي فن تحمل المسؤولية قبل أن تكون مجرد تنافس على السلطة”، فيما اعتبر المفكر والمؤرخ المغربي عبد الله العروي أن “تقدم الأمم يظل رهيناً بقدرة نخبها على قيادة التحول التاريخي وصناعة المستقبل”.
وبين المسؤولية والكفاءة تبرز اليوم إحدى أهم الإشكالات التي تستحق
أن تُطرح للنقاش العمومي بالمغرب:
هل تكفي شرعية الصندوق وحدها لإفراز أفضل النخب القادرة على قيادة المؤسسات، أم أن المرحلة تقتضي البحث عن صيغة تجعل من الكفاءة شريكاً للشرعية الديمقراطية لا بديلاً عنها؟
لقد شكل دستور المملكة لسنة 2011 محطة مفصلية في مسار البناء الديمقراطي، حين كرس مبدأ تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب، وهو اختيار عزز الثقة في المؤسسات وربط ممارسة السلطة بالإرادة الشعبية المعبر عنها عبر صناديق الاقتراع. ولا أحد اليوم يجادل في أهمية هذا المكسب الديمقراطي أو في القيمة السياسية التي يمثلها.
غير أن التجربة التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة تفرض علينا التوقف عند بعض التحولات التي أفرزتها الممارسة السياسية. فقد أصبح التنافس الانتخابي، في كثير من الأحيان، منصباً على تحقيق الصدارة العددية أكثر من انشغاله ببناء نخب جديدة أو استقطاب كفاءات قادرة على الارتقاء بجودة العمل التشريعي والرقابي والتدبيري. وأصبح الرهان لدى بعض الفاعلين السياسيين هو الفوز بالمقاعد، بينما يفترض أن يكون الرهان الأكبر هو إنتاج القيمة المضافة داخل المؤسسات.
إن الديمقراطية لا تختزل في عملية إحصاء الأصوات، كما أن الانتخابات ليست مجرد آلية لتوزيع المقاعد. فجوهر الديمقراطية هو تمكين المجتمع من اختيار من يملك القدرة على تمثيله وخدمته وصياغة مستقبله. وإذا كانت الأغلبية العددية تمنح شرعية الوصول إلى السلطة، فإن الكفاءة وحدها تمنح القدرة على حسن استعمالها.
ومن هنا يبدو من المشروع أن نفتح نقاشاً وطنياً هادئاً ومسؤولاً حول سبل تطوير المنظومة الانتخابية والحزبية بما يشجع على تجديد النخب والارتقاء بجودة العرض السياسي. وليس المقصود بذلك مراجعة الأسس الديمقراطية أو الالتفاف على الإرادة الشعبية، بل البحث عن آليات تجعل الأحزاب تتنافس أيضاً على استقطاب الكفاءات، تماماً كما تتنافس على كسب الأصوات.
لقد وفر الدستور المغربي نفسه الأرضية الفكرية والقانونية لهذا النقاش. فالفصل التاسع عشر كرس مبدأ المناصفة بين النساء والرجال، والفصل الثالث والثلاثون دعا إلى توسيع مشاركة الشباب في التنمية والحياة العامة، بينما جعل الفصل 154 من الحكامة الجيدة والجودة والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة مبادئ مؤطرة للعمل العمومي. وهي مقتضيات دستورية لا يمكن أن تحقق كامل أهدافها إذا بقي التنافس السياسي أسيراً لمنطق الأرقام وحده.
ولعل من الأفكار الجديرة بالتأمل التفكير في إحداث مؤشر وطني لتقييم جودة العرض السياسي للأحزاب، لا يكون بديلاً عن نتائج الاقتراع، وإنما مكملاً لها ومحفزاً على تحسينها. ويقوم هذا المؤشر على معايير موضوعية تتعلق بنسبة تمثيلية الشباب، وحضور النساء في مواقع القرار، ومستوى التأهيل العلمي للمرشحين، والخبرة المهنية والتدبيرية التي يتوفرون عليها، والحصيلة التشريعية والرقابية للمنتخبين، ومدى احترام الأحزاب لقواعد الديمقراطية الداخلية وتجديد النخب.
وعندئذ سيتحول منطق التنافس السياسي من البحث عن الأسماء القادرة على جلب الأصوات فقط إلى البحث عن الشخصيات القادرة على صناعة الحلول. وسيتحول استقطاب الكفاءات إلى استثمار سياسي حقيقي، كما ستصبح الجامعات ومراكز البحث والإدارة العمومية والمقاولات الوطنية خزانات طبيعية للنخب التي تحتاجها الحياة السياسية.
إن المغرب الذي نجح في بناء مؤسسات مستقرة وفي تحقيق مكتسبات مهمة على مستوى التنمية والإصلاح، مدعو اليوم إلى كسب رهان جديد لا يقل أهمية عن رهانات الماضي، وهو رهان جودة النخب. فالتحديات المرتبطة بالتعليم والصحة والسيادة الغذائية والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والانتقال الطاقي لا يمكن مواجهتها بمنطق انتخابي صرف، بل تحتاج إلى كفاءات تمتلك المعرفة والخبرة والرؤية والقدرة على الإنجاز.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من التنافس حول من يفوز بالمقاعد إلى التنافس حول من يستحقها. آن الأوان لأن تصبح الأحزاب مدارس لإنتاج النخب الوطنية، لا مجرد آلات انتخابية موسمية. وآان الأوان لأن يصبح الاستثمار في الكفاءة خياراً سياسياً واستراتيجياً يوازي في أهميته الاستثمار في التعبئة الانتخابية.
فالأمم لا تُبنى بكثرة المنتخبين، وإنما بجودة المنتخبين. والدول لا تتقدم بعدد المقاعد التي تُملأ داخل المؤسسات، بل بنوعية العقول التي تشغلها. لذلك سيبقى من حق الديمقراطية أن تفرز الأغلبية، لكن من حق الوطن أيضاً أن يطمح إلى أن تكون تلك الأغلبية هي الأكثر كفاءة وقدرة على خدمة المصلحة العامة.
لأن الأصوات تفتح أبواب السلطة، أما الكفاءات فهي التي تبني الدول.

شـاركها الأن
رابط مختصر