تثمين أطر تربوية – بقلم الأستاذ محمد موافق، رئيس مصلحة المخيمات

* العاصمة24 –
– بقلم الأستاذ محمد موافق، رئيس مصلحة
إن الحديث عن أطر قطاع الشباب والرياضة ليس حديثًا عن موظفين يؤدون مهامًا إدارية روتينية داخل مكاتب مغلقة، بل هو حديث عن فاعلين اجتماعيين ومربين ومناضلين ميدانيين اختاروا الانتماء إلى مشروع وطني قوامه الإنسان قبل الأرقام، والتربية قبل المؤشرات، والمواطنة قبل الحسابات التسويقية الضيقة.
لقد راكمت هذه الأطر، عبر عقود طويلة، خبرة ميدانية عميقة في مواكبة الطفولة والشباب، خصوصًا الفئات الهشة والمعرضة للإقصاء والانقطاع المدرسي والانحراف. فهي تشتغل في فضاءات القرب، داخل دور الشباب والمراكز السوسيو-رياضية والمخيمات والمؤسسات التربوية، حيث يتم بناء الثقة، وإعادة الإدماج، وترميم العلاقة بين الفرد والمجتمع.
ومن الخطأ المنهجي أن يتم تقييم مردودية هذا القطاع بمنطق الأرقام المجردة أو المؤشرات ذات الطابع التجاري والتسويقي، لأننا أمام قطاع اجتماعي وتربوي يصعب قياس أثره بمنطق الربح والخسارة أو بمنهجية الإنتاج المادي. فكيف يمكن اختزال أثر مربي استطاع إنقاذ شاب من الانحراف؟ أو إطار واكب طفلة من الهدر المدرسي حتى أصبحت فاعلة داخل مجتمعها؟ إن الأثر الحقيقي للعمل التربوي يظهر على المدى البعيد، في السلوك والقيم والانتماء والاستقرار الاجتماعي.
لقد أثبتت التحولات الاجتماعية المتسارعة التي يعرفها العالم اليوم، أن المجتمعات التي تستثمر في الشباب والتربية غير النظامية والوساطة الاجتماعية، هي الأكثر قدرة على مواجهة التطرف والعنف والبطالة والهشاشة. ومن هنا تتجلى الأهمية الاستراتيجية لأطر الشباب والرياضة باعتبارهم خط الدفاع الأول عن التماسك المجتمعي.
واليوم، ونحن أمام تنامي ظاهرة الشباب خارج الدراسة والتكوين والعمل، أو ما يعرف بجيل NEET، تصبح الحاجة ملحة إلى إعادة الاعتبار لمؤسسات الشباب وتقوية أدوارها التربوية والاجتماعية. فهذا الجيل لا يحتاج فقط إلى فرص شغل، بل يحتاج أيضًا إلى التأطير والمواكبة وبناء الشخصية وتعزيز قيم المواطنة والانتماء والثقة في الذات.
إن مؤسسات الشباب مطالبة اليوم بأن تتحول إلى فضاءات حقيقية للإدماج الاجتماعي والتكوين المدني والتأهيل الحياتي، عبر برامج شعبية قريبة من انتظارات الشباب ولغتهم وواقعهم الاجتماعي. غير أن نجاح هذا الورش يظل رهينًا بتثمين الرأسمال البشري داخل القطاع، والاعتراف الرمزي والمهني بما راكمته الأطر من خبرة وكفاءة وتضحية.
فلا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي لقطاع الشباب دون إنصاف نسائه ورجاله، وتحسين أوضاعهم المهنية، وإشراكهم في صناعة القرار العمومي، لأنهم الأقدر على تشخيص حاجيات الميدان بحكم احتكاكهم اليومي بالشباب والأطفال والأسر.
إن الاستثمار في أطر الشباب والرياضة ليس كلفة مالية، بل هو استثمار في الأمن الاجتماعي، وفي الاستقرار، وفي مستقبل الوطن. فالأمم لا تبنى فقط بالطرق والمشاريع الاقتصادية، وإنما تبنى أيضًا بالمربين الذين يصنعون الإنسان، ويحافظون على توازن المجتمع، ويزرعون الأمل في الأجيال الصاعدة.