المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يدعو إلى إصلاح استعجالي لمنظومة التكوين المستمر في القطاع الخاص

* العاصمة24 – الرباط –
أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رأيه المعنون ب “التكوين المستمر في القطاع الخاص: إصلاح استعجالي لتيسير استفادة العاملات والعاملين وولوج المقاولات”، الذي أعده في إطار إحالة ذاتية، وصادقت عليه جمعيته العامة خلال دورتها المنعقدة بتاريخ 25 مارس 2026.
وأوضح المجلس، في بلاغ له، أنه من خلال هذا الرأي، يقف المجلس على وضعية منظومة التكوين المستمر في القطاع الخاص بالمغرب، عبر تحليل نقاط القوة ومكامن القصور، مع اقتراح مجموعة من التوصيات الرامية إلى العمل، بصفة استعجالية وذات أولوية، لإرساء منظومة للتكوين المستمر أكثر إدماجا وإنصافا ونجاعة، تمكن من الاستجابة لحاجيات العاملات والعاملين، وتأمين المسارات المهنية، وتوسيع قاعدة المقاولات المستفيدة، لاسيما المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، فضلا عن تعزيز تنافسية المقاولات الوطنية.
وأكد المجلس، في هذا الصدد، أن التكوين المستمر في القطاع الخاص بالمغرب شهد تطورا تدريجيا جعل منه رافعة أساسية لتثمين الرأسمال البشري وتعزيز تنافسية المقاولات، مضيفا أن هذا التطور، المرتكز على إطار مؤسساتي منظم وآليات تمويل خاصة، ساهم في انبثاق ومواكبة قطاعات صناعية استراتيجية، خاصة في مجالي السيارات والطيران.
وقد شهدت هذه الدينامية، بحسب البلاغ، زخما جديدا مع اعتماد القانون رقم 60.17 المتعلق بتنظيم التكوين المستمر، الذي عزز المنظومة الجاري بها العمل من خلال توسيع دائرة المستفيدين لتشمل العمال غير الأجراء والأشخاص الذين فقدوا عملهم، مع إدراج آليات مهيكلة جديدة، من قبيل الرصيد الزمني للتكوين المستمر، والتصديق على مكتسبات التجربة المهنية.
وفي هذا الإطار، جرى تنفيذ برامج تكوينية قطاعية همت عدة مجالات (الصناعة، الفلاحة، الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي، والسياحة)، من أجل الاستجابة لحاجيات مختلف القطاعات.
ورغم هذه المكتسبات، أوضح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن منظومة التكوين المستمر لا تزال تواجه عوامل قصور بنيوية تحد من الولوج المنصف لخدماتها وتُضْعِف من فعاليتها، بحيث لا يزال اللجوء إلى برامج التكوين محدودا للغاية، إذ لم تستفد سنة 2022 سوى 1647 مقاولة من عقود التكوين الخاصة، من أصل 315.000 مقاولة خاضعة لرسم التكوين المهني، أي بنسبة تقل عن 0.5 في المائة.
كما أن المنظومة المعمول بها حاليا، يضيف البلاغ، لا تدمج العمال المستقلين وكذا غير الأجراء، وذلك بالنظر إلى عدد من العوامل، يأتي على رأسها اشتراط الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي للاستفادة من آليات التكوين المستمر، مبرزا أن الاعتراف بمكتسبات التجربة المهنية فلا يزال محدودا أيضا، إذ لم يحصل سوى 1488 شخصا على شهادات بموجب هذه الآلية منذ سنة 2008، والحال أن حوالي نصف الساكنة النشيطة المشتغلة لا تتوفر على أي شهادة.
وسجل المجلس أن هذا الوضع يعزى إلى مجموعة من العوامل البنيوية، موضحا أنه بالرغم من تعزيز المنظومة التشريعية بإصدار القانون رقم 60.17 المشار إليه، فإن تفعيله يقتضي لزوما إصدار نصوصه التطبيقية، وهو ما لم يتم لحد الآن فضلا عن غياب آليات تمويل تشمل كافة النشيطين، خاصة غير الخاضعين لرسم التكوين المهني.
وأضاف أن مساطر الولوج إلى التمويلات تظل معقدة وغير متاحة الولوج بالقدر الكافي، لاسيما بالنسبة للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة. وعلاوة على ذلك، فإن طول آجال تعويض المقاولات عن التكوينات يؤدي في كثير من الأحيان إلى الضغط على سيولتها المالية وتقليص قدرتها على الاستثمار في الرأسمال البشري.
ومن جهة أخرى، لاحظ المجلس أن عرض التكوين المستمر المؤهل يتسم بتمركز جغرافي شديد، مع محدودية عدد هيئات الاستشارة والتكوين المؤهَّلَة (82 هيئة و327 خبيراً)، علما بأن غالبيتها موجودة بمدينة الدار البيضاء، مما لا يُمَكِّنُ المقاولات المتواجدة خارج الأقطاب الاقتصادية الرئيسية من الاستفادة من دينامية التكوين، ويساهم في تعميق الفوارق المجالية.
واعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن إصلاح منظومة التكوين المستمر أصبح ورشا استعجاليا، وينبغي أن يندرج في إطار سياسة عمومية تعتبر التكوين المستمر حقا للأجراء وباقي العاملات والعاملين، ومسؤولية المشغل والدولة، مع إلزاميته في القطاعات الحيوية. كما يتعين إسناد تنزيل هذه السياسة العمومية إلى هيئة وطنية مستقلة عن مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، ذات فروع جهوية، تحقيقا للانسجام والفعالية والمرونة ووضوح مسؤوليات مختلف المتدخلين.
وانطلاقا من هذا التوصيف، اقترح جملة من التوصيات، من بينها الإسراع بتعديل القانون رقم 60.17 للارتقاء بالبنية الإدارية الدائمة التي ينص على إحداثها هذا القانون إلى هيئة للتكوين المستمر وتثمين الخبرات والكفاءات، تكون مستقلة عن مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، وفق تركيبة ثلاثية متساوية الأعضاء بين ممثلي السلطات العمومية وأرباب العمل والشركاء الاجتماعيين.
كما أوصي بضمان التخصيص الفعلي لنسبة 30 في المائة من رسم التكوين المهني لتمويل عمليات التكوين المستمر من خلال إحداث صندوق خصوصي للتكوين المستمر، تشرف الهيئة المقترح إنشاؤها على تدبيره، وتعبئة وتثمين موارده.
ودعا إلى وضع منصة رقمية وطنية مندمجة للتكوين المستمر، تهم جميع مراحل عمليات التكوين، وذلك بهدف تبسيط المساطر الإدارية وتقليص آجال تعويض المقاولات، مبرزا أنه ينبغي أن تشكل هذه المنصة أداة مركزية للقيادة والتدبير، تتيح إنتاج معطيات متجانسة يمكن استثمارها في تتبع وتقييم السياسة العمومية في مجال التكوين المستمر.
وأوصى، أيضا، بالعمل على ضمان التَّكفُّل الكامل بتكاليف التكوين لفائدة المقاولات الصغيرة جدا، وتمكينها من اختيار برامجها مباشرة من قائمة خاصة بالتكوينات متاحة عبر المنصة الرقمية المقترح إحداثها، إضافة إلى إرساء نظام صارم للإشهاد ومنح الاعتماد لمراكز التكوين، يقوم على تثمين الخبرة والتجربة المهنية والقدرات البيداغوجية، بما يمكن من النهوض بجودة عرض التكوين المستمر وضمان مصداقيته ونجاعته.
وأبرز أهمية تفعيل الإطار المرجعي الوطني للتصديق على مكتسبات التجربة المهنية، الذي سيتم إعداده من قبل الهيئة الوطنية للتكوين المستمر الآنفة الذكر، من خلال دلائل إجرائية تحدد البرامج والمناهج ومعايير التقييم الملائمة لكل قطاع ومستوى تكويني، موضحا أنه يمكن لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل أن يضطلع بدور الذراع التنفيذي لدينامية تروم “التصديق على مكتسبات التجربة المهنية لفائدة الجميع”، بترصيد ما راكمه من تجربة في مجال هندسة التكوين، وما يتوفر عليه من شبكة ترابية ممتدة من أجل تعبئة لجان مهنية لتقييم الخبرات المكتسبة، وإدماج العدد الكبير من الكفاءات غير الحاصلة على شهادات.
ودعا المجلس إلى إشراك الجهات في هندسة التكوين المستمر لتمكينها من تحديد حاجياتها التكوينية وبرمجة نفقاتها، من أجل تطوير تنافسية النسيج الاقتصادي الجهوي، وتقوية تموقعها على الصعيدين الوطني والدولي، وذلك وفقا لاختصاصاتها، وفي إطار الشراكة بين الجهة والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.
وحث على تعزيز انخراط المهنيين في دينامية التكوين المستمر من خلال إعادة النظر في دور المجموعات ما بين المهن لدعم الاستشارة، بما يسمح بتموقعها كفاعل قرب حقيقي ضمن المنظومة الوطنية الجديدة للتكوين المستمر، وذلك عبر تقوية ارتباطها الوظيفي بالمقاولات العاملة في القطاعات المعنية بمختلف الجهات، وإسنادها بالإمكانيات اللازمة للقيام بدور التحسيس والمواكبة.
وأوصى المجلس بتطوير صيغ بيداغوجية مرِنة، تشمل التكوين عن بُعد والتكوين الهجين (يزاوج بين التكوين الحضوري والتكوين عن بُعد)، والتكوينات قصيرة الأمد، بما يسمح بالاستجابة بشكل أفضل للإكراهات التي يواجهها النشيطون المشتغلون، سواء الإكراهات المهنية، أو تلك المرتبطة بمكان العمل، أو بتوقيت حصص التكوين .