فرق المعارضة بمجلس النواب تطعن في قانون العدول أمام المحكمة الدستورية وتثير شبهات المساس بالأمن التعاقدي والمساواة

* العاصمة24 – الرباط –
أحالت فرق المعارضة بمجلس النواب القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول على المحكمة الدستورية، طالبة البت في مدى مطابقته للدستور، بعدما اعتبرت أن عددا من مواده يمس بمبادئ الأمن القانوني والتعاقدي، والمساواة أمام القانون، وضمانات التقاضي، وحماية الملكية، وجودة المرفق العمومي.
وتقدم النواب الموقعون على الإحالة برسالة إلى رئيس المحكمة الدستورية، استنادا إلى الفصل 132 من الدستور، للطعن في دستورية القانون الذي صادق عليه البرلمان بعد مسار تشريعي شمل موافقة مجلس النواب في 3 فبراير 2026، ثم مجلس المستشارين في 21 أبريل، قبل أن يصادق عليه مجلس النواب في قراءة ثانية يوم 28 أبريل.
وترى المعارضة أن النص، في صيغته النهائية، لا يطرح فقط إشكالات تقنية مرتبطة بتنظيم مهنة العدول، بل يمس، في نظرها، بتوازن أوسع داخل منظومة التوثيق، خاصة عند مقارنته بمهنة التوثيق العصري، معتبرة أن حرمان العدول من بعض الآليات، مثل التعامل مع صندوق الإيداع والتدبير أو مسك حسابات الودائع، يخلق تمييزا غير مبرر بين مهنتين تمارسان وظيفة توثيقية رسمية بتفويض من الدولة.
وفي ملاحظاتها العامة، اعتبرت المعارضة أن عددا من مقتضيات القانون يمنح سلطات تقديرية واسعة دون تأطير كاف، بما قد يمس بمبدأ الشرعية القانونية والأمن القانوني، كما رأت أن بعض مواده قد تؤدي إلى تمييز بين فئات مهنية أو بين المواطنين في الولوج إلى الخدمات التوثيقية، في خرق لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص.
كما نبهت رسالة الإحالة إلى أن أي غموض في تنظيم مهنة العدول قد ينعكس مباشرة على الثقة في الوثيقة العدلية، بالنظر إلى ارتباطها الوثيق بالأمن التعاقدي وتوثيق المعاملات، خاصة في المجالات العقارية والأسرية والتجارية.
ومن بين المواد التي ركزت عليها المعارضة، المادة 37 المتعلقة بمسؤولية العدل عن الضرر المترتب عن امتناعه عن القيام بواجبه “بدون سبب مشروع”. واعتبرت فرق المعارضة أن هذه العبارة فضفاضة وغير محددة، وقد تفتح الباب أمام تأويلات قضائية متباينة، بما يجعل الوضع القانوني للعدل غير آمن وغير قابل للتوقع، ويمس بالأمنين القانوني والقضائي.
أما المادة 50، المتعلقة بالإبقاء على نظام التلقي الثنائي، فقد اعتبرتها المعارضة من أبرز نقاط الخلاف، إذ ترى أن إلزام العدلين بتلقي الشهادة في آن واحد داخل مجلس العقد، خصوصا في المعاملات العقارية والتجارية، يشكل عبئا إجرائيا على المرتفقين ويميز بين المواطنين حسب نوع المهني الذي يلجؤون إليه لتوثيق عقودهم، خاصة أن مهنا توثيقية أخرى لا تخضع للشرط نفسه.
وتقول المعارضة إن هذا النظام، في زمن الرقمنة والبطاقة الوطنية الإلكترونية، يكرس صورة تقليدية عن التوثيق العدلي، ويضعف جاذبيته وتنافسيته، كما يعرقل سرعة المعاملات ويخل بمبدأ جودة المرفق العمومي.
كما طعنت المعارضة في المادة 51، المتعلقة بشروط الشاهد في العقود العدلية، معتبرة أن الاكتفاء بإشعار الشاهد بضرورة تمتعه بالأهلية القانونية والحقوق المدنية، دون آلية مؤسساتية للتحقق من ذلك، يجعل صحة العقد رهينة بتصريح شفوي لشخص أجنبي عن العلاقة التعاقدية. كما لاحظت أن المادة منعت بعض أقارب العدل وأجرائه والمتمرنين لديه من الشهادة، لكنها سكتت عن أطراف العقد وقراباتهم، وهو ما اعتبرته نقصا في نظام التنافي وضمان الحياد.
وفي ما يتعلق بالمادة 53، الخاصة بتلقي العقود من الأشخاص العاجزين عن الكلام أو السمع، انتقدت رسالة الإحالة اعتماد عبارة “الإشارة المفهومة”، معتبرة أنها عبارة ذاتية وغير مضبوطة، وقد تجعل إرادة فئات هشة عرضة لسوء التأويل أو التدليس. كما اعتبرت أن تعبير “كل شخص مؤهل” الوارد في المادة نفسها غامض ولا يحدد بدقة صفة الشخص الذي يمكن الاستعانة به، ما قد يمس برسمية المحرر العدلي.
وانتقلت المعارضة إلى المادة 55 التي تسمح، في بعض حالات التفويت، بالاعتماد على نسخة من المستند عند الإدلاء بإشهاد بضياع الأصل. واعتبرت أن هذا المقتضى يفتح ثغرة خطيرة في مجال الملكية العقارية، لأنه قد يسهل، بحسب الإحالة، الاستعمال المزدوج للمحررات أو التدليس، في غياب آليات رقمية أو سجل مركزي للتحقق من صحة المستندات قبل نقل الملكية.
كما انتقدت المادة 63، التي تلزم العدل بإنجاز الإجراءات الضرورية للتقييد في السجلات العقارية، لكنها لا تقرن ذلك، وفق المعارضة، بآلية تضمن تزامن أداء الثمن مع التقييد. وترى فرق المعارضة أن غياب إمكانية حفظ الثمن لدى جهة مؤهلة قانونا للاحتفاظ بالودائع قد يعرض المشتري لمخاطر مالية، خاصة إذا ظهرت حجوزات أو تقييدات احتياطية في الفترة الفاصلة بين توثيق العقد وتسجيله.
وفي المادة 67 المتعلقة بشهود اللفيف، انتقدت المعارضة اشتراط ألا يقل عددهم عن 12 “ذكورا وإناثا”، معتبرة أن الصياغة قد تفتح الباب أمام تأويلات مختلفة بشأن نصاب كل جنس، بما قد يكرس تمييزا أو غموضا في التطبيق. كما اعتبرت أن فرض 12 شاهدا يشكل عبئا كبيرا على المرتفقين، خاصة في المدن والمناطق النائية، ويؤدي إلى هدر الزمن التوثيقي ويصعب الولوج إلى الخدمة.
أما المادة 77، المتعلقة برفض القاضي المكلف بالتوثيق الخطاب على العقد أو الشهادة، فقد وصفتها المعارضة بأنها تمس بضمانات التقاضي، لأنها استعملت لفظ “التظلم” بدل “الطعن”، ما قد يحرم العدول، وفق الرسالة، من ضمانات الخصومة القضائية الكاملة. كما انتقدت حصر حق التظلم في العدلين فقط، دون أطراف العقد، رغم أنهم أصحاب المصلحة المباشرة في حماية العقد، سواء تعلق الأمر بعقار أو أصل تجاري أو حتى عقد زواج.
وتلتمس فرق المعارضة من المحكمة الدستورية البت في مطابقة المواد 37 و50 و51 و53 و55 و63 و67 و77 للدستور، فضلا عن النظر في مواد أخرى أو في مجموع النص، إذا تبين للمحكمة وجود مقتضيات أخرى تمس بالمبادئ الدستورية.