منظمة اليونسكو تختار الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026 تتويجا لمسارها الثقافي

* العاصمة24 – م . عبابو – تصوير : الحسن باحو –
تستعد عاصمة المملكة الرباط ، لاحتضان حدث ثقافي دولي استثنائي مميز ، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، يجمع بين إطلاق فعاليات “ الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026 ” ابتداء من 24 أبريل الجاري، وتنظيم الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب ما بين 1 و 10 ماي 2026 ، في محطة تعزز مكانة المملكة كفضاء عالمي للثقافة وصناعة المعرفة.

وفي هذا الصدد أعلن وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، صباح الثلاثاء، خلال ندوة صحفية بالرباط عن اختيار المدينة عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026، من طرف منظمة اليونسكو، بالتزامن مع احتضان فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب ، سيعزز مكانتها كعاصمة للثقافة والانفتاح والحوار بين الحضارات.

وأكد بنسعيد أن هذا الاختيار لا يحمل طابعا احتفاليا فقط. بل يعكس مسارا تاريخيا طويل الأمد لمدينة شكلت عبر قرون مركزا للمعرفة والتعدد الثقافي.
وترتبط الرباط بتاريخ حضاري غني. حيث تحتضن معالم بارزة مثل صومعة حسان وموقع شالة وأحياء الأوداية. وهي فضاءات تعكس تراكمات حضارية جعلت من المدينة نقطة التقاء بين إفريقيا وأوروبا.
كما أشار إلى أن الرباط شكلت عبر التاريخ فضاء لاستقبال الهجرات الأندلسية وما حملته من علوم ومعارف. ما جعلها نموذجا للتعدد والانفتاح الثقافي داخل الهوية المغربية.

توقف الوزير عند دور بائعي الكتب المستعملة في المدينة. واصفا إياهم بأبطال الظل الثقافي الذين ساهموا في نشر المعرفة داخل المجتمع.
وقد لعب هؤلاء الباعة دورا محوريا في جعل أزقة الرباط مكتبات مفتوحة. ساهمت في تكوين أجيال من الطلبة والمثقفين، عبر توفير الكتب بأسعار مناسبة وإتاحة المعرفة لشرائح واسعة من المجتمع.
شدد المسؤول الحكومي على أن الرؤية الثقافية الحالية تتجاوز المفهوم التقليدي للكتاب، نحو اعتبار الثقافة قطاعا إنتاجيا قادرا على خلق القيمة وفرص الشغل.
كما ، تسعى هذه الرؤية إلى تحويل الكتاب من أداة معرفية فقط إلى رافعة للدبلوماسية الثقافية. ومنصة للتواصل مع العالم، خاصة عبر المعرض الدولي للنشر والكتاب.
كما تشمل هذه المقاربة دعم الصناعات الثقافية والإبداعية، بما في ذلك النشر والرقمنة. بهدف تعزيز مساهمة القطاع الثقافي في الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل للشباب.
كما دعا الوزير إلى توسيع دائرة القراءة لتشمل الفضاءات العامة، من حدائق وساحات ومقاهي، بهدف جعل الثقافة جزءا من الحياة اليومية للمواطنين.
وتروم هذه المقاربة دمقرطة الوصول إلى المعرفة، وجعل الكتاب متاحا خارج الأطر التقليدية، بما يعزز ارتباط المجتمع بالفعل الثقافي

أكد رئيس مجلس جهة الرباط- سلا – القنيطرة، رشيد العبدي، في كلمته بالمناسبة ، أن اختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026 يشكل محطة مفصلية في مسار تعزيز حضور الثقافة داخل المجتمع، معتبراً أن هذا التتويج يتجاوز تكريم مدينة بعينها ليعكس تحولاً نوعياً في موقع الكتاب باعتباره جزءاً من الحياة اليومية ومسارات الأفراد.
وأوضح العبدي، أن الرباط لا تُختزل في بعدها التاريخي، بل تبرز في قدرتها على تحويل الذاكرة إلى فعل حاضر، حيث تصبح الثقافة ممارسة يومية تسهم في إضفاء الحيوية على المجتمع، مشدداً على أن الكتاب لم يعد مجرد حامل للمعرفة، بل أداة للتحرر وصناعة المواطن الواعي.
وفي هذا السياق، أبرز المسؤول الجهوي انخراط مجلس الجهة إلى جانب وزارة الشباب والثقافة والتواصل في تنظيم المعرض الدولي للنشر والكتاب، من خلال شراكة مؤسساتية متواصلة منذ سنة 2022، تعكس توجهاً استراتيجياً يروم جعل القراءة جزءاً من التجربة المعيشية للمواطن، مشيراً إلى تخصيص رواق خاص بالجهة داخل فضاء المعرض يحتضن أنشطة ثقافية متنوعة، من بينها حفلات توقيع واستقبال تلاميذ من مختلف أقاليم الجهة.
وكشف العبدي عن إطلاق مبادرة نوعية خلال الدورة الحادية والثلاثين للمعرض، الممتدة من 30 أبريل إلى 10 ماي، تهدف إلى تقريب الجمهور من عالم الكتاب عبر لحظات تفاعلية تجمع بين أجيال وتجارب مختلفة، من بينها حضور الفنانة التشكيلية زهرة بوعلي التي ستوقع مؤلفها “Mon monde artistique” في سن الخامسة والتسعين، إلى جانب التلميذ آدم الروداني، بطل المغرب في الدورة التاسعة من تحدي القراءة العربي، في تجسيد لالتقاء الذاكرة الحية بروح الاكتشاف لدى الأجيال الصاعدة.أخبار المغرب اليوم
وفي إطار ترسيخ مبدأ الإنصاف الترابي، أشار رئيس الجهة إلى توسيع هذه المبادرة لتشمل تنظيم زيارات ميدانية لفائدة تلاميذ من أقاليم الخميسات وسيدي قاسم وسيدي سليمان والصخيرات-تمارة، بما يتيح لهم خوض تجربة مباشرة داخل فضاء المعرض، في خطوة تروم ضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى الثقافة، باعتبارها حقاً أساسياً غير مرتبط بالموقع الجغرافي، وذلك انسجاماً مع التوجيهات الملكية الرامية إلى تعزيز العدالة المجالية.
وسجل العبدي أن الرهان الثقافي اليوم يتجاوز المبادرات الظرفية نحو مشروع متكامل يعيد تموقع الكتاب كرافعة للتمكين الثقافي والاجتماعي، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم مع بروز الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، معتبراً أن التحدي لم يعد فقط في إتاحة الكتاب، بل في ترسيخ فعل القراءة كخيار واع داخل بيئة رقمية كثيفة، مؤكداً أن التكنولوجيا لا تُعد بديلاً للكتاب، بل فضاءً جديداً يفرض إعادة التأكيد على قيمته، لأن الذكاء الاصطناعي ينتج المعلومات، بينما الكتاب يصنع المعنى.
وفي ختام كلمته، عبر رئيس الجهة عن امتنانه لمنظمة اليونسكو على الثقة التي منحتها للرباط، منوهاً بجهود مختلف الشركاء في إنجاح هذا الورش الثقافي، وداعياً إلى جعل سنة 2026 منطلقاً لسياسة مستدامة تُدمج القراءة في الحياة العامة وتكرس الكتاب كأداة للتنمية والارتقاء الاجتماعي، تحت شعار يختزل رؤية الجهة في رسم دينامية مستقبل معرفي واعد يخدم الجميع.

شخص وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي ، في كلمته بالمناسبة ، واقع القراءة في المجتمع بالقول إنه “ما يزال دون المستوى المطلوب مقارنة بعدد من الدول الأوروبية”، معتبراً أن ما يقرأه وينتجه العالم العربي يظل أقل مما تنتجه وتقرؤه دولة أوروبية صغيرة جغرافيا مثل بلجيكا، وهو ما يطرح، بحسبه، أسئلة عميقة حول أسباب هذا الوضع وتداعياته.
وشدد المتحدث على أن القراءة ليست ترفاً، بل رافعة للمعرفة وفضاء رحب للانفتاح والإبداع، مبرزاً أن فعل القراءة يمنح للشباب أدوات التفكير والتحليل، ويسهم في توسيع المدارك بما تحمله من إيجابيات متعددة.

وللأسف “المغاربة مكيقراوش الكتب” وأن مهمة إعادة الاعتبار للكتاب والقراءة هي مسؤولية جماعية للفاعلين في المجتمع وليست مسؤولية الحكومة أو الفاعل السياسي فقط، مشدداً على أن ضعف القراءة لدى طلبة العلوم الحقة (الرياضيات، الفزياء، الكيمياء، …” يفرز ظواهر سلبية من قبيل “التطرف و”الغلو”.
وأوضح أن هناك خلطاً قائماً بين القراءة والكتاب، حيث يُنظر إليها أحياناً باعتبارها مرتبطة فقط بالثقافة أو الترف، في حين أن القراءة تشمل أيضاً العلوم الدقيقة بمختلف أصنافها، ولا تقتصر على القصص أو كتب التاريخ أو الروايات.
وسجل ميداوي أن غياب ترسيخ هذه العادة الإيجابية، التي تمكن الشباب والمجتمع من أدوات التحليل، يفرز ظواهر سلبية من قبيل “الغلو” و”التطرف”، مبرزاً أن الحقول المعرفية الجامعية المرتبطة بالأدب والعلوم الإنسانية والعلوم السياسية يكون فيها “الغلو” أقل بفضل تنامي فعل القراءة لدى الطلبة، في حين يظهر أكثر في مجالات العلوم الرياضية والفيزيائية والبيولوجية والكيمياء بسبب ضعف القراءة لدى طلبتها.
واعتبر أن القراءة ليست ترفاً، وإنما أداة لتحقيق التوازن الحضاري داخل المجتمعات، مبرزاً أن مسؤولية ضعف الإقبال عليها لا تقع على السياسي أو الحكومة فقط، بل تمتد إلى المدرسة والمجتمع والأسرة والعائلة، التي ينبغي أن تعي أن القراءة وسيلة للتوازن النفسي وتفجير طاقات الطفل، إلى جانب مسؤولية وسائل الإعلام.