واصلت غرفة الجنايات الابتدائية “قسم جرائم الأموال” باستئنافية الرباط بعد زوال 26 مارس 2018 الاستماع لمرافعات الدفاع في الدفوع الشكلية في ملف حجز 6 أطنان و370 كلغ من الشيرا ووثائق مزورة وسلاح ناري من عيار 9 ملم و 13 خرطوشة، المتابع فيه 45 متهما، من ضمنهم أمنيون برتب مختلفة بعد ضم نازلتهم يوم 22 يناير 2018، للملف الأصلي، المتابع فيه 19 متهما، منهم اثنان يحملان الجنسية الهولندية واحد منهما موظف في هولندا. وتناوب على منصة الدفاع كل من الأساتذة محمد ساعو، وعبدالرحمان عابدين، ومنتصر، وكروط، الذين أكدوا تبعا لموقع كل واحد من مؤازريهم، تعرض بعضهم للإكراه والتعذيب، الذين سبق أن طالبوا بمعاينته وإجراء خبرة طبية، إلا أن ذلك لم يتم رغم أن القانون يلزم بإجراء البحث في مجرد الإدعاءات، وانتفاء حالة التلبس طبقا للمادتين 56 و57 من قانون المسطرة الجنائية، حيث وقع للنيابة العامة خلط، على غرار تمديد الحراسة النظرية اعتمادا على مقتضيين قانونيين في نفس الوقت، وهما المادتين 66 و88، وذلك في غياب حالة التلبس، التي لا بد من وجود محضر بشأنها، وفق شكليات لم يضعها المشرع عبثا، إضافة إلى الوضع تحت الحراسة النظرية لمتهم كان خارج القانون بفارق يفوق 21 ساعة من تاريخ إلقاء القبض، الذي هو يوم 4/5، وليس 5/5، وذلك استنادا إلى وثائق القضية المنشورة أمام القضاء، مما جعل الاعتماد على محضر الانتقال والمراقبة والتتبع والتفتيش والحجز. في هذا السياق أبرز الدفاع أنه من المؤلم ان ترتكب النيابة العامة أخطاء بشعة ولا تقوم بتتبع أعمال الشرطة القضائية ومراقبتها وفق القانون ومنشور وزير العدل، الذي حدد شكليات المراقبة لضباط الشرطة القضائية، مؤكدا أن هناك تزويرا في المحاضر وعثا بالحريات، مما يشكل حالة اعتقال تعسفي وخارج عن القانون في قضية الوضع تحت الحراسة، التي أولاها المشرع عناية خاصة، من خلال تحديد شكليات دقيقة، محددة ليس فقط بالشهور والأيام والساعات وإنما بالدقائق…. وسجل الدفاع خروقات على مستوى التفتيش والحجز، وعدم الإشعار بالحقوق المنصوص عليها في المادتين 24 و66، بما في ذلك دواعي الاعتقال المختلفة عن الإشعار بالأفعال المنسوبة للمشتبه فيه، علما أن المادة 24 تحددت عن شكليات مضبوطة لإنجاز المحاضر، التي لم تتضمن من جهة بالنسبة لمتهم تاريخ الإذن بالتفتيش الذي ينكر موكله توقيعه والذي جاء لاحقا، ومن جهة أخرى عدم تضمين المحضر مكان تحريره، لأن الاعتقال كان بطنجة، ومحل وجود المكتب المركزي للأبحاث القضائية يوجد بسلا…. وأدلى الدفاع بهذا الخصوص بنماذج أحكام من محاكم استئنافيتي الرباط والدار البيضاء، وميدلت، والمرحومة محكمة العدل الخاصة بالرباط، التي ألغيت سنة 2004، وسوق أربعاء الغرب، والمتعلقة بقضايا تهم حريات المتقاضين، حيث اعتبر حكما صادرا عن قاض بالمحكمة الأخيرة «صدقة جارية»، رغم أنها «الأحكام» متناثر هنا وهناك، إلا أنها تشرف مصدريها وتجعلهم خالدين في التاريخ، وتشرف القضاء في مختلف محطاته، حيث أكدت على أن عدم احترام الشكليات خرق جوهري للحقوق، يستلزم ترتيب الجزاء، بل هناك حكم قضى بكون الشكل هو من النظام العام، ويتعين على القضاء إثارته بشكل تلقائي، لأنه «القضاء» ضامن للحريات وسلامة الإجراءات، وحريص على صون الحقوق لتحقيق الأمن القضائي. وأفاض الدفاع في موضوع مسطرة قواعد المسطر الاستثنائية «الامتياز القضاء»، باعتبار أنه لم تتم مراعاة وضعية عمداء وضباط شرطة من خلال الاستماع إليهم من طرف عناصر الشرطة، خلافا لما نص عليه قانون المسطرة الجنائية، بالنظر لوظائفهم وليس لشخصهم، على غرار الحماية الممنوحة للوزراء وكتاب الدولة، وذلك بدءا من المادة 264 وما يليها في هذا الباب، علما أن المادة 20 من نفس القانون حددت الصفة الضبطية المخولة لهذه الفئة من الموظفين العموميين، ملتمسا ترتيب الجزاء عن هذه الخروقات، من خلال بطلان محاضر البحث التمهيدي والتسجيلات المنجزة عبر الهواتف، ومحاضر تفريغها، والقول بطلان المتابعة، مع إعمال مقتضيات المادتين 213 و324 من ذات القانون، وبالتالي التصريح برفع حالة الاعتقال…. كما تم التطرق لخرق مقتضيات التنصت على المكالمات الهاتفية، خلافا للمادة 108 من قانون المسطرة الجنائية، والشكليات التي يستلزمها قانون 97 المنظم لمؤسسات الاتصالات، وتساءل الدفاع بقوله: هل الاختصاص الموكول للرئيس الأول في منح الإذن بالتقاط المكالمات الهاتفية حكر عليه لوحده؟ أم أنه يمكن أن ينوب عنه – كما هو في واقع هذه النازلة – كل من قاضي التحقيق، ورئيس الغرفة الجنحية؟ وبالتالي هل قاضي التحقيق مؤسسة مستقلة، أم تابعة للرئيس الأول لمحكمة الاستئناف؟ ثم لماذا منح الرئيس الأول الإذن بالتقاط المكالمات الهاتفية لمدة ثمانية أشهر، خلافا للقانون، الذي حدد المدة الأولى في أربعة أشهر قابلة للتجديد وليس التمديد لمرة واحدة فقط؟ وأشار الدفاع إلى أن المادة 223 توجب البت في الدفوع الشكلية فورا وعدم ضمها للجوهر إلا بصفة استثنائية بموجب قرار معلل، خصوصا وأن الأمر يتعلق بمسائل مرتبطة بالنظام العام يمكن للهيئة القضائية أن تثيرها من تلقاء نفسها، إذ نصت الفقرة الثانية من هذه المادة على ما يلي: « يتعين على المحكمة البت في هذه الطلبات فوراً، ولها بصفة استثنائية تأجيل النظر فيها بقرار معلل إلى حين البت في الجوهر». وشدد الدفاع على أن القضاء لا يشرعن الخروقات، وإنما يرتب الجزاء، خصوصا في ظل استقلال السلطة القضائية، واستقلال النيابة العامة، حيث لا بد من مأسسة مواقف القضاء، مستحضرا في هذا الصدد الخطاب الملكي لسنة 2009، الذي دعا للقطيعة مع الماضي المؤلم وبناء المؤسسات القوية، واستقلال القضاء عن كل المؤثرات، وهو ما تمت تزكيته بدستور 2011، حسب الدفاع، الذي أكد أنه لا يمكن اعتبار الدفوع الشكلية عبثا ولا غرض منها، أو ضمها إلى الجوهر، وإنما هي حقوق مرتبطة بالحريات ومقدسة بمقتضى الدستور، الشيء الذي يدعو إلى تأسيس استقلال القضاء…. وفي الوقت الذي طالب فيه الدفاع تفعيل المادة 751 من قانون المسطرة الجنائية، باعتبارها موجبة للبطلان، رأى محامي أن هذه المادة لا صلة لها بالبطلان، والتي تشير إلى المادة 442 المتعلقة بالجلسات، ملتمسا تطبيق المادة 212 المرتبة للبطلان بشكل عام، خصوصا وأن المادة 289 يؤكد أنه لا يعتد بمحاضر الشرطة القضائية إلا إذا كانت صحيحة في الشكل. وللإشارة فإن المجموعة الأولى من هذه القضية، المشكلة من 19 متهما، كانت قد أحيلت على القضاء الجالس منذ أكثر من سنة بعد تحريك المسطرة في حقها سنة 2016، حيث أشار مصدر أمني أن معلومات كشفت عن وجود شبكة لتهريب المخدرات على الصعيد الدولي، انطلاقا من المغرب اتجاه أوروبا عبر وسائل نقل بعد دَسِّ المخدرات في بعض البضائع كالأسماك، وأن الأبحاث انصبت حول مدى تورط أفراد العصابة في تقديم مبالغ مالية لجهات إدارية مقابل التغاضي عن أنشطتهم المحظورة، تبعا لنفس المصدر. ووجهت لبعض المتهمين تهم الرشوة عن طريق تسلم مبالغ مالية للقيام بأعمال غير مشروعة من أعمال الوظيفة، والتستر على مجرم مبحوث عنه، وإفشاء السر المهني، والمشاركة في نقل وتصدير المخدرات والحيازة غير المبررة للمخدرات والمواد المخدرة، إضافة إلى تقديم هبة بقصد الامتناع عن القيام بعمل ونقل المخدرات ومسكها والاتجار فيها وتسهيل استعمالها للغير… إلخ. ويذكر أن ملفا آخر مرتبط بهذه النازلة ما زال مفتوحا أمام قاضي التحقيق بذات المحكمة، والذي استمع يوم 22 يناير 2018 ل 24 دركيا برتب مختلفة، حيث أودع 18 منهم بسجن العرجات و6 قيد الوضع تحت المراقبة القضائية. وقد أرجأت الهيئة القضائية، برئاسة الأستاذ محمد كشتيل، النظر في الملف لمواصلة الاستماع لمرافعات الدفاع في الشق المتعلق بالشكل. واعتبارا لأن هذه الصفحة متخصصة وموجهة لفئة من المهتمين نورد بعض المقتضيات القانونية المشار إليها أعلاه في سياق إغناء النقاش القانوني والفقهي. وهكذا نصت المادة 212 على ما يلي: « يترتب كذلك البطلان عن خرق المقتضيات الجوهرية للمسطرة إذا كانت نتيجتها المساس بحقوق الدفاع لكل طرف من الأطراف. يمكن لكل متهم أو طرف مدني أن يتنازل عن ادعاء البطلان المقرر لفائدته، ويجب أن يكون هذا التنازل صريحا. ولا يقبل تنازل المتهم إلا بحضور محاميه أو بعد استدعائه قانونياً. يعرض التنازل على الغرفة الجنحية وفقاً للمادة السابقة». أما المادة 289 فوردت على النحو الآتي: «لا يعتد بالمحاضر والتقارير التي يحررها ضباط وأعوان الشرطة القضائية والموظفون والأعوان المكلفون ببعض مهام الشرطة القضائية، إلا إذا كانت صحيحة في الشكل وضمن فيها محررها وهو يمارس مهام وظيفته ما عاينه أو تلقاه شخصياً في مجال اختصاصه». أما في ما يخص إثارة البطلان في المادة 324 فجاء فيها: « إذا أثير البطلان في غير الأحوال المشار إليها في المادة 227 أعلاه، فيمكن للمحكمة المحالة إليها القضية، بعد الاستماع إلى النيابة العامة والأطراف، أن تصدر حكما بإبطال الوثائق التي تعتبرها مشوبة بالبطلان. يجب أن تقدم طلبات الإبطال المثارة من الأطراف دفعة واحدة قبل استنطاق المتهم في موضوع الدعوى، وذلك تحت طائلة سقوط الحق في تقديمها. يمكن للأطراف أن يتنازلوا عن التمسك بالدفع بالبطلان إذا لم يكن مقررا إلا لمصلحتهم فقط، ويجب أن يكون هذا التنازل صريحا، ولا يقبل تنازل المتهم إلا بحضور محاميه أو بعد استدعائه بصفة قانونية. إذا اقتصرت المحكمة على إبطال بعض الإجراءات فقط، فيجب أن تصرح بسحبها من المناقشات، وتأمر بحفظها في كتابة الضبط. وتطبق عندئذ مقتضيات المادة 213 أعلاه. إذا أدى بطلان الإجراء إلى بطلان الإجراءات اللاحقة كلا أو بعضا، فإن المحكمة تأمر بإجراء تحقيق تكميلي إذا ارتأت أنه بالإمكان تدارك البطلان. وفي حالة العكس، تحيل المحكمة القضية إلى النيابة العامة، وتبت علاوة على ذلك، وعند الاقتضاء، في شأن الاعتقال الاحتياطي أو المراقبة القضائية». وفي إطار الجزاءات عن إبطال الوثائق في المادة أعلاه نصت المادة 213 على ما يلي: «تسحب من ملف التحقيق وثائق الإجراءات التي أبطلت وتحفظ في كتابة الضبط بمحكمة الاستئناف، ويمنع الرجوع إليها لاستخلاص أدلة ضد الأطراف في الدعوى، تحت طائلة متابعات تأديبية في حق القضاة والمحامين». وبخصوص «قواعد الاختصاص الاستثنائية» المدرجة في الفرع الأول من قانون المسطرة الجنائية المتعلق ب «الحكم في الجنايات أو الجنح المنسوبة لبعض القضاة أو الموظفين»، فقد أطرته المواد من 264 إلى 268، حيث جاء في المادة الأخيرة ما يلي: « إذا نسب لباشا أو خليفة أول لعامل أو رئيس دائرة أو قائد أو لضابط شرطة قضائية من غير القضاة المشار إليهم في المواد السابقة ارتكابه لجناية أو جنحة أثناء مزاولة مهامه، فإن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف المعروضة عليه القضية من طرف الوكيل العام للملك، يقرر ما إذا كان يقتضي الأمر إجراء البحث، وفي حالة الإيجاب يعين مستشاراً مكلفاً بالتحقيق بمحكمته. إذا تعلق الأمر بجناية، فإن المستشار المكلف بالتحقيق يصدر أمرا بالإحالة إلى غرفة الجنايات، أما إذا تعلق الأمر بجنحة فإنه يحيل القضية إلى محكمة ابتدائية غير التي يزاول المتهم مهامه بدائرتها. إذا كان ضابط الشرطة القضائية مؤهلا لمباشرة وظيفته في مجموع تراب المملكة، فإن الاختصاص يرجع إلى محكمة النقض حسب الكيفيات المنصوص عليها في المادة 265. يمكن للطرف المدني التدخل لدى هيئة الحكم ضمن الشروط المحددة في المادتين 350 و351 بعده». وفيما يهم المادة 751، التي يعتبرها أحد نواب الوكيل العام، أنها تبطل الإجراء المعيب دون باقي الإجراءات، وفي غياب ترتيب الجزاء، فنصت على أنه: «كل إجراء يأمر به هذا القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني يعد كأنه لم ينجز، وذلك مع مراعاة مقتضيات الفقرة الثالثة من المادة 442 المتعلقة بجلسات غرفة الجنايات».