عبد الغاني بوز يكتب .. هل مشروع قانون مهنة المحاماة ضرورة إصلاحية ملحة أم محصلة حسابات سياسية؟

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 4 فبراير 2026 - 3:00 صباحًا
عبد الغاني بوز يكتب .. هل مشروع قانون مهنة المحاماة ضرورة إصلاحية ملحة أم محصلة حسابات سياسية؟

* العاصمة24  – 

أثار مشروع قانون مهنة المحاماة بالمغرب، رقم 66.23، نقاشا واسعا وغير مسبوق داخل الجسم المهني، نقاشا لم يقتصر على الاختلاف حول بعض المقتضيات التقنية أو التنظيمية، بل تجاوز ذلك إلى مساءلة عميقة للسياق الذي أُنتج فيه المشروع، وللفلسفة التي تحكمه، وللرهانات الحقيقية التي يبدو أنه يخدمها..
فقد وجد المحامون أنفسهم أمام نص تشريعي يفترض أنه يروم تحديث المهنة وتطوير أدائها، لكنه في المقابل يثير مخاوف جدية تتعلق باستقلالها، وبموقعها داخل منظومة العدالة، وبالدور الدستوري الذي أنيط بها تاريخيا..
وبعيدا عن الخطاب الرسمي الذي يقدم المشروع باعتباره استجابة طبيعية وملحة لحاجة إصلاحية، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح داخل الأوساط المهنية والحقوقية: هل نحن أمام إصلاح حقيقي يخدم العدالة ويقوي مهنة الدفاع، أم أمام نص تشريعي صيغ في سياق سياسي معين، تحكمه اعتبارات تتجاوز منطق الإصلاح القانوني إلى حسابات سياسية ظرفية..؟
لا أحد ينكر أن مهنة المحاماة، شأنها شأن باقي المهن القضائية، تعاني من اختلالات وشوائب، وأن القانون المنظم لها يحتاج إلى دفعة تحديثية تواكب التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي على جميع المستويات، التنظيمية، والاقتصادية، وحتى الهيكلية.. كما لا خلاف حول ضرورة مراجعة آليات التكوين المبدئي، والمسؤولية المهنية، وأخلاقيات الممارسة، وأيضا، وهذا هو الأساس الذي يغفل عنه الفاعل السياسي ومعه بعض الأطراف ممن ينظرون إلى الجزء الفارغ من الكأس فقط، إلى المعانات التي تعرفها شريحة واسعة من المحاميات والمحامين.. وذلك بما يضمن الرفع من جودة الدفاع وحماية صورة المهنة..
غير أن الإصلاح، حتى يكون مشروعا ومقبولا، لا يقاس فقط بما يرفعه من شعارات، ولا بما يتضمنه من عناوين براقة، بل يقاس أساسا بالمنهجية التي يصاغ بها، وبمدى احترامه لخصوصية المهنة ووظيفتها داخل دولة القانون. فالإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يفرض من أعلى، ولا أن يبنى بمنطق الوصاية، بل يفترض تشخيصا مهنيا دقيقا، وحوارا مؤسساتيا فعليا، وإشراكا حقيقيا لأصحاب الشأن في صياغة النصوص التي ستنظم مستقبلهم..
وما يثير القلق في مشروع القانون المعروض، ليس فقط بعض مقتضياته المثيرة للجدل، بل الانطباع العام الذي يخلفه لدى فئة واسعة من المحامين، ومفاده أن المقاربة التشاركية كانت محدودة أو شكلية، وأن النص صيغ داخل دوائر ضيقة، ثم قدم للمهنيين في صيغة شبه نهائية، وكأن المطلوب هو التكيف معه لا مناقشته. وهو ما يعمق الشعور بأن المشروع لا ينطلق من رؤية تشاركية لإصلاح المهنة، بقدر ما ينطلق من تصور إداري يسعى إلى إعادة ضبط علاقتها بباقي مكونات منظومة العدالة..
ويزداد هذا الشعور حدة حين يستحضر السياق السياسي الذي أعد فيه المشروع، والمسار السياسي لوزير العدل، صاحب المبادرة، وهو مسار يجمع بين المسؤولية الحكومية والطموح السياسي. هذا المعطى، في حد ذاته، لا يشكل إدانة، لكنه يصبح عنصرا أساسيا في التحليل حين يتقاطع العمل التشريعي مع رهانات سياسية محتملة، وحين ينظر إلى القانون باعتباره أداة لتقديم صورة الإصلاح الحازم أو لإرضاء فاعلين مؤسساتيين نافذين، ولو كان ذلك على حساب مهنة لطالما شكلت عنصر توازن داخل منظومة العدالة برمتها..
داخل الجسم المهني، يسود انطباع قوي بأن مشروع القانون رقم 66.23 يميل إلى توسيع سلطة الإشراف الإداري على المهنة، ويحد من هامش التنظيم الذاتي الذي يشكل جوهر استقلال المحاماة. وهو توجه يخشى أن يفرغ هيئات المحامين من دورها التاريخي، ويحولها من مؤسسات منتخبة تدبر شؤون المهنة باستقلال، إلى هياكل محدودة الصلاحيات، خاضعة لمنطق المراقبة والضبط..
ومهنة المحاماة، في جوهرها، ليست قطاعا إداريا يمكن إخضاعه لمنطق التعليمات أو التراتبية، بل هي وظيفة دستورية مرتبطة ارتباطا وثيقا بضمانات المحاكمة العادلة.. فالمحامي، ليس مجرد وسيط قانوني، بل هو فاعل أساسي في حماية الحقوق والحريات، وفي ضمان توازن أطراف الخصومة، وفي مراقبة احترام القانون داخل الفضاء القضائي. وأي مساس باستقلاله التنظيمي أو المهني لا ينعكس فقط على وضعيته الشخصية، بل يمس مباشرة حق المواطن في دفاع حر وفعال، ويمس أيضا، وهذا هو أخطر ما في الامر، بجوهر دولة الحق والقانون.. فالمحامي الضعيف صورة وانعكاس لدولة ضعيفة هشة من الداخل..
والآثار المترتبة عن مشروع القانون، في حال تمريره بصيغته المثيرة للجدل، لا تتوقف عند حدود الإطار المهني، بل تمتد إلى مستويات أعمق وأكثر خطورة. فعلى المستوى المهني، قد يؤدي إضعاف التنظيم الذاتي للمهنة إلى تآكل الإحساس بالانتماء والكرامة، وإلى خلق مناخ من الاحتقان الدائم داخل العدالة، وهو ما ينعكس سلبا على الأداء المهني وعلى علاقة المحامي بمحيطه القضائي..
وعلى المستوى القضائي، فإن محاميا يشتغل تحت ضغط الرقابة أو تحت هاجس المساءلة التأديبية الموسعة، لن يكون في موقع يسمح له بممارسة الدفاع بالجرأة والاستقلال المطلوبين.. وهو ما ينعكس مباشرة على جودة المحاكمة، وعلى توازنها، وعلى قدرة الدفاع على الاضطلاع بدوره بحرية واستقلال..
أما على المستوى الدستوري، فإن أي إفراغ فعلي لاستقلال الدفاع من مضمونه يحول مبدأ المحاكمة العادلة إلى مجرد إعلان نظري، ويجعل الضمانات الدستورية بلا أثر عملي. فالدساتير لا تحمي الحقوق بمجرد التنصيص عليها، بل بحماية الشروط الواقعية لممارستها، وفي مقدمتها وجود دفاع مستقل وقوي..وعلى المستوى المجتمعي، فإن المساس باستقلال المحاماة يضرب في العمق ثقة المواطن في العدالة. فالمواطن الذي يشعر بأن محاميه غير قادر على الدفاع عنه بحرية كاملة، سيفقد ثقته في المسار القضائي برمته، وهو ما يفتح الباب أمام الإحباط، واللامبالاة، وربما البحث عن حلول خارج إطار القانون، بما يحمله ذلك من مخاطر على السلم الاجتماعي..
وفي هذا السياق، يفرض سؤال جوهري نفسه بإلحاح: من يخدم هذا المشروع في نهاية المطاف؟ هل يخدم مهنة المحاماة والمتقاضين، أم يخدم تصورا سياسيا يسعى إلى ضبط مهنة طالما شكلت أحد الأصوات النقدية داخل منظومة العدالة؟
إن إضعاف المحامي لا يعني تقوية الدولة، بل قد يؤدي إلى إضعاف الشرعية القانونية نفسها، لأن العدالة لا تبنى بمنطق الغلبة، بل على التوازن والتكامل بين سلطاتها ومكوناتها.
إن إصلاح مهنة المحاماة يظل، في جميع الأحوال، ضرورة تاريخية لا يمكن إنكارها، لكن الإصلاح الحقيقي لا يكون على حساب الاستقلال، ولا يفرض بمنطق الأمر الواقع، ولا يوظف لتحقيق مكاسب سياسية ظرفية. فالقوانين التي تصاغ دون إنصات حقيقي لأصحاب الشأن قد تمر تشريعيا، لكنها تفشل عمليا، وتخلف آثارا عكسية يصعب تداركها..
وإذا أريد لهذا المشروع أن يسجل في الذاكرة القانونية كإصلاح حقيقي، فعليه أن يراجع في فلسفته قبل مواده، وفي منهجيته قبل آلياته، وأن يعاد فتح النقاش حوله بروح تشاركية حقيقية، تحترم مكانة المحاماة ودورها داخل دولة القانون. أما إذا استمر التعامل معه كأداة للضبط السياسي أو لإعادة تشكيل موازين القوة داخل العدالة، فإن التاريخ التشريعي لن يرحمه، وسيسجله لا باعتباره خطوة إصلاحية جريئة، بل باعتباره لحظة مفصلية جرى فيها التفريط في أحد أعمدة العدالة، واستقلال الدفاع..

شـاركها الأن
رابط مختصر