*العاصمة24 – متابعة –
بدأت رحلة السلاوي خلال دراسته الجامعية في بلجيكا في السبعينيات، عندما وقع في غرام علم المناعة. ولد في عام 1959 في المغرب في أسرة تؤمن بأهمية العلم والتعليم : “كان لوالدي وأمي هدف أول هو العلم وبعده الأمور الأخرى مثل الإنصاف والوفاء للقيم ثم مساعدة الآخرين”. قاوم والده الاحتلال الفرنسي للمغرب وقضى عامين في السجن بسبب نضاله وبعد أن نال المغرب استقلاله عام 1956، أصبح والده رجل أعمال ناجح. وكان لدى السلاوي أربعة أشقاء، توفي أحدهم عن عمر 6 أشهر بسبب السعال الديكي، وكان من الممكن إنقاذه لو وجد اللقاح آنذاك. كان ذلك قبل ولادة منصف ولكن هذا الموت لطفل صغير يعني أنه نشأ في أسرة تدرك قيمة اللقاحات. وانتهى الأمر بالفتيان الثلاثة في الطب أو البحث العلمي وأخته هي أستاذة الأدب الفرنسي. ذهب السلاوي إلى الجامعة في بلجيكا وأصبح ناشطا سياسيا، وقال ضاحكا “ربما كنت سأصير اليوم إرهابيا”.
كان هدفه هو الإطاحة بالنظام الملكي. وقال إنه لم يلحق أي ضرر بأي ممتلكات أو يؤذي أحداً، لكنه أشرف على تأطير طلاب مغاربة آخرين يدرسون في بلجيكا، وانخرط في إضراب عن الطعام هناك احتجاجا على تفاوتات الثروة التي رآها في بلاده.
عند العودة إلى المغرب لزيارة والدته المريضة، كان يعلم أنه قد يكون مستهدفاً من قبل الشرطة السرية. قال السلاوي: “وبما أن عائلتي كانت معروفة ومرموقة لم ينتهي بي المطاف في السجن ولم أتعرض للاختطاف لكن ما حدث لي هو يقظة ضمير فقلت في نفسي: هذه ليست الطريقة التي يمكنك بها مساعدة بلادك لأنها يمكن أن تنهي حياتك بسرعة كبيرة ولا تصنع شيئا.”، بدلا من ذلك قرر منصف أن يكون له تأثير اجتماعي من خلال الرعاية الصحية وعلم الأدوية بما في ذلك العمل في البحوث عن لقاح الملاريا ثم لقاح “روطافيروس”، وقد قضى عقودا في الاشتغال عليهما وهما مرضان يحصدان مئات الآلاف من الضحايا سنوياً معظمهم من الأطفال: “إن هذا العمل أكثر فاعلية ومردودية من الاختفاء فى دهاليز السجون”.
لم يكن السلاوي، الذي يتوفر على طاقة غير محدودة، بحاجة إلى أكثر من 4 ساعات ونصف من النوم في الليلة. يستيقظ كل يوم في الثالثة فجرا و الرابعة في نهاية الأسبوع، ويعمل قليلا ثم يمارس الرياضة لمدة ساعة أو ساعتين – ركوب الدراجات أو الجري أو المشي على الأقدام . “لديّ العديد من المكالمات الهاتفية مع أوروبا خلال هذه الساعات”. “إذا كان لدي مكالمة، أمشي بسرعة، وعندما أنتهي أركض قليلا “. هذه عادات تتيح له الإفراج عن الطاقة الزائدة وتعطيه الوقت للتفكير في يومه وتمكنه من الحفاظ على هدوئه، “إنها تمارين إيجابية جدا بالنسبة لي”، ثم يضيف ساخرا “لا أعرف كيفية ربط ربطة عنق، على الرغم من أنني أرتديها في الحوارات التلفزيونية” ولكنه في الأيام الأخرى يرتدي جينز أسود وحذاء رياضياً وسترة جلدية وقميصاً مناسبا.
لم يشاهد أبداً برنامج “ستار تريك”، لذا كان على زوجته الأمريكية المولد أن تشرح له ما تعنيه “warp speed ” سرعة المنعطف. وعلى الرغم من أن بعض الناس انتقدوا الاسم لأنه يشدد على السرعة بدل الفعالية والأمان، فإنه يقول إن الاثنين كانا حاضرين في المشروع وهما مرتبطان وليسا متناقضين، إن سائقي سيارات السباق لا يريدون أن يسيروا بسرعة فقط بل يريدون كذلك الوصول بأمان إلى خط النهاية وأنا أحب السيارات والسرعة” يقول ذلك وهو يقود سيارته الكهربائية porsche taycan إلى مستشفى جامعي، وهي سيارة يقترب سعرها من 100 ألف دولار.
لقد أوقفتني الشرطة مرة واحدة بسبب تجاوز السرعة عندما كنت أسوق سيارتي نحو المكتب على الساعة الخامسة صباحا وأنا أفكر في الخطاب الذي سألقيه ذلك اليوم على موظفي شركة gsk البالغ عددهم 120000، فلم أنتبه إلى أنني تجاوزت 40 ميلا في الساعة.
وقد تعرض السلاوي للانتقاد بسبب كونه رجل أعمال ناجح في عمل مرتبط بطلبات الحكومة ولأنه يمتلك ما قيمته 10 مليون دولار من أسهم شركة gsk ، وهو المبلغ الذي وفره طوال حياته المهنية.
“في يوم من الأيام، أخطط للتقاعد والعيش على هذه الأرباح” على الرغم من أنه يعترف بأنه ليس من النوع الذي يتوقف عن العمل . لقد تعهد بالتبرع للبحث عن أي أموال تحققها الأسهم خلال فترة اشتغاله في مشروع “المنعطف السريع ” أو”السرعة في المنعطف”.
عندما نودي عليه للمشروع تخلى عن منصبه في مجلس إدارة شركة “مودرنا” ومناصب مشابهة لتفادي تعارض المصالح، وباع كل أسهمه في تلك الشركة الناشئة فخسر ما كانت ستحققه أسهمها من ارتفاع في القيمة خلال الأشهر السبعة التالية ، لماذا فعل ذلك؟
بصفته مستشارا علميا لعملية ” Warp Speed” “وارب سبيد”، ساعد المدير التنفيذي في الصناعة الدوائية المخضرم في إدخال لقاح فيروس كورونا إلى السوق الأمريكية في وقت قياسي.
في عام 2009، كان وباء الإنفلونزا ينتشر بسرعة في مختلف أنحاء العالم عندما كان أحد الصناديق الاستثمارية التي تدعم شركات الرعاية الصحية منشغلة في تنظيم مؤتمرها السنوي. كان هذا اللقاء فرصة لاجتماع كبار مدراء الصناعة الصيدلية والبيوتكنولوجية في العالم.
جمع الرجل مجموعة من زملائه وخاطبهم قائلا : “سنعمل معاً لإنجاز شيء ما هنا”. عاد هذا المشهد إلى ذهنه عندما سألت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب السيد جيريمي ليفين، رئيس منظمة الابتكار في مجال الصناعة والتكنولوجيا الحيوية، عن البحث عن مسؤول يستطيع الإشراف على تطوير اللقاح الأميركي ضد COVID-19 فقال بدون تردد: “منصف السلاوي”.

كان السلاوي ، 61 عاما ، وهو إطار متقاعد أصله من المغرب وقد اشتغل طويلا في مجال تطوير اللقاحات قد جمع زملاءه للتفكير في المشروع ولذلك أصبح من المنطقي أن ينادى عليه من جديد.
تردد اسم السلاوي مراراً ومراراً في الربيع، عندما كان وزير الصحة والخدمات الإنسانية أليكس أزار يبحث عن شخص من القطاع الخاص للمساعدة في قيادة عملية “المنعطف السريع”، وهو جهد غير مسبوق وجريء لتقديم لقاح COVID-19 بحلول نهاية العام.
كانت الأوساط العلمية مرتابة من المغامرة : كيف يمكن تطوير لقاح بهذه السرعة علما أنها حسب التجربة على الأقل أربع سنوات، واعتقد كثيرون إنه من المستحيل صنع لقاح آمن وفعال في غضون سبعة أشهر وإلا فهي فقط مخاطرة كبرى .
غير أن السلاوي كان مقتنعا بأن الأمر ممكن وأنه قادر على إنجاح المهمة ومن نواحي كثيرة، كان يستعد لهذا التحدي الهائل منذ مدة طويلة وكأنه تحدي العمر.
*أنجز 14 لقاحًا ناجحا
كان منصف مناضلا سياسيا في شبابه، وأمضى ما يقرب من 30 عاما في شركة غلاكسو سميث كلاين العملاقة للمستحضرات الصيدلانية، منها 27 عاما وهو يشتغل على لقاح للملاريا، فأنجز 14 لقاحًا وطرحها إلى السوق ثم سطع نجمه حتى أصبح رئيسا لقسم البحث والتطوير للشركة بأكملها.
“لطالما كانت اللقاحات غرامي الأول. إنه المجال الذي أحب العمل فيه أكثر من غيره”، كما قال في مقابلة مع صحيفة “يو إس إيه توداي”.
أخذ الرجل تقاعده قبل ثلاث سنوات وانضم إلى مجالس إدارة الشركات وصناديق الاستثمار بعد أن استوعب جيدا جميع جوانب هذه الصناعة وكان يحظى باحترام جيد داخل دوائرها.
قبل منصف بهذا التحدي الجديد المسمى سرعة المنعطف، علما أنه مهمة شبه مستحيلة ولكنها تهدف إلى إسداء خدمة كبرى للبشرية فوافق على المشاركة في قيادة العملية كمستشار علمي تحت شرطين: لن يكون هناك تدخل سياسي في عمله ولا بيروقراطية لإبطاء سرعته. وقال وافقت السلطات على الشرطين لتكون العملية خاضعة للمنطق العلمي وليس السياسي.
يوم الجمعة قبل عيد الشكر، زار السلاوي مستشفى جامعة تمبل ليرى كيف تمر التجارب السريرية هناك، وكيف تمكن الباحثون من توظيف أكثر من 200 متطوع بسرعة وما يمكن أن يفعله لمساعدتهم على إشراك عدد أكبر من المتطوعين .
وافق على المشاركة في قيادة العملية كمستشار علمي تحت شرطين: لن يكون هناك تدخل سياسي في عمله ولا بيروقراطية لإبطاء سرعته. وقال وافقت السلطات على الشرطين لتكون العملية خاضعة للمنطق العلمي وليس السياسي.

في ذلك الصباح، بعد ستة أشهر وأربعة أيام من قبوله للوظيفة، حدث أن كانت شركة “فايزر” وشريكتها الألمانية “بيو نتيك”، “BioNTech”، قد أعلنت اكتمال عملية تطوير اللقاح وتقدمت بطلب للحصول على إذن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لإطلاقها على مستوى الجمهور. وقد توقع السلاوي أن تكون اللقاحات ضد COVID-19 فعالة للغاية بدرجة ما بين 80٪ إلى 90٪، وذلك في أوائل الصيف وقال إن الفيروس الذي يسبب COVID-19 ضعيف للغاية في الواقع وهذا هو السبب في أن 8 من 10 أشخاص يمكنهم التخلص منه بأعراض محدودة أو منعدمة على الإطلاق.
وأضاف “اذا كان من الممكن أن يقتنع الناس باستعمال اللقاح، فإننا قلقون جدا بالنسبة للذين لن يستعملوه”.
جاء السلاوي إلى مستشفى “تمبل” لتشجيع المزيد من المتطوعين على المشاركة في تجربة مرشح لقاح شركة “جونسون” ضد كوفيد-19. وكان يعلم أنها تجربة تشمل مجموعة متنوعة من المشاركين ومن شأنها أن تؤدي إلى قبول أكبر للقاح بمجرد أن يصبح متاحاً.
كان الحصول على مجموعة متنوعة من المشاركين في التجارب السريرية جزءًا من عمله في المساعدة على قيادة جهود اللقاح الأمريكية. إن مثل هذه الزيارات الميدانية تميز النهج العملي الذي اتخذه في قيادة جهود تطوير اللقاح حيث قام شخصياً بجولة في خمسة مواقع تجارب سريرية أخرى على الأقل وعدة مرافق لتصنيع اللقاح.
يجتمع السلاوي وفريق عمله كل يوم من أيام الأسبوع في الساعة الثامنة صباحاً ويقضون خمس دقائق أو نحو ذلك يتحدثون عن كل لقاح من اللقاحات المرشحة، و في الساعة العاشرة يفعلون الشيء نفسه بالنسبة للأدوية التي يجري تطويرها لعلاج مرض كوفيد.
إنهم يطلقون على هذه الوتيرة “إيقاع معركة الاجتماعات” ، وهي الفكرة التي نصح بها المشرف الثاني على المشروع مع السلاوي، وهو الجنرال غاس بيرنا، الذي يدير قسم اللوجستيات وسلسلة الإمداد في الجيش والذي يبلغ عدد أفراده 190.000 فرد.
والآن بعد أن اكتملت مهمته إلى حد كبير، يفكر السلاوي في التنحي بحلول نهاية العام وسينصب التركيز والضغط على الجنرال بيرنا لكي تصل جرعات اللقاح الذي ساهم في تطويره إلى الملايين من الأميركيين. يعلن السلاوي بكل فخر أن كل الأمور سارت بشكل مدهش وهو يضرب بيديه على طاولة خشبية في قاعة الاجتماعات.
لم يكن السلاوي حريصا على منصب القيادة المشتركة في هذا البحث خاصة وأنه لا يميل لهذه الإدارة، ويمقت السياسة وقال عن الموضوع : “إننى أشعر بخيبة أمل إزاء مدى سوء النية وعدم احترام المبادئ عندهم” ولكن عندما بدأت إدارة ترامب تبحث عن شخص يمكنه إدارة مجهود غير مسبوق لتطوير اللقاحات، برز اسم السلاوي على المشهدً.
يروي وزير الصحة والخدمات الإنسانية أزار: “عندما دعوناه إلى المقابلة، كان من الواضح أنه اقتنع برؤيتنا ويعتقد أن هدفنا الطموح المتمثل في اللقاح بحلول نهاية العام كان قابلاً للتحقيق”. وأضاف “لقد كانت ثقتنا فيه مستحقة لأنه أثبت أنه شخص لا يقدر بثمن كمستشار علمي لعملية “سرعة المنعطف “.
من جهته يؤكد إلياس زرهوني الذي شغل منصب مدير المعاهد الوطنية للصحة خلال إدارة الرئيس جورج بوش وهو آنذاك رئيس البحث والتطوير في شركة الأدوية العملاقة “سانوفي” : “إن اختيار منصف السلاوي كان هو الخيار الناجح، ولم يكن هناك من هو أفضل من منصف وإذا كان هناك شخص واحد في رأيي كان يستحق هذا المنصب فهو منصف السلاوي لأن أي شخص آخر تقريباً لم يطور اللقاحات والأدوية من المختبر إلى التسويق، وفهم جيدا عملية تقييم التكنولوجيات وكان قائداً طبيعياً مدفوعاً بخدمة الصالح العام ويعرف كيف تسير الأمور فهو بدون شك السيد السلاوي .”
لم يكن السلاوي حريصا على منصب القيادة المشتركة في هذا البحث خاصة وأنه لا يميل لهذه الإدارة، ويمقت السياسة وقال عن الموضوع : “إننى أشعر بخيبة أمل إزاء مدى سوء النية وعدم احترام المبادئ عندهم”
يقول السيد ليفين، رئيس مجلس إدارة شركة بيو، إنه حافظ دائماً على علاقة طيبة مع السلاوي. نشأ ليفين في جنوب أفريقيا وكان يشعر بالاشمئزاز من الفصل العنصر بينما كان السلاوي في المغرب معارضا للسياسات التي قذفت وحاصرت غالبية السكان في براثن الفقر ويزيد ليفين “إنه رجل صمد من أجل تحسين حالة الإنسان “.
ويقول جان فرانسوا فورميلا، وهو صديق لمنصف السلاوي ومغامر رأسمالي ناجح في مجال الرعاية الصحية وصناعة الأدوية إنه أعجب به عندما بدأ السلاوي يعمل في فرع من فروع شركة GSK ، وأضاف إن العديد من شركات الأدوية الكبرى لديها أقسام المشاريع الخاصة بها ، وتستثمر في البحوث في مرحلة مبكرة ، لكنها ليست مشهورة جدا لأنها لا تحصل على أرباح كبيرة وقد لا تطور أدوية لسنوات عديدة، ولكن السلاوي اختار تسيير ذلك الفرع بنفسه، حتى يتمكن من المساهمة المباشرة في العمل في هذا المجال.
وقال فورميلا إن السلاوي هو الخيار الأمثل لقيادة جهود تطوير اللقاح لأنه “قائد ملهم جداً، وله شخصية قيادية وكاريزما قوية، ويمكنه أن يضع جانباً نفوره الشخصي من إدارة ترامب من أجل خدمة البشرية، إنه من الواضح بالنسبة لي ، وأعتقد بالنسبة لمعظم الناس الذين يعرفونه جيدا ، أنه كان فقط مكلفا بمهمة ونجح فيها وكان يدرك أنه من القلائل الذين يستطيعون تحمل هذه المسؤولية وقرر أن يتحملها”.
*المصدر : جريدة أمريكية “يوإس توداي” نقله إلى العربية لـ”لكم2″: أحمد ابن الصديق







