قبول المحامي بالتواطؤ ضد موكله يساهم في إفساد جهاز العدالة

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 28 مارس 2018 - 6:01 مساءً
قبول المحامي بالتواطؤ ضد موكله يساهم في إفساد جهاز العدالة

*العاصمة 24 * متابعة *

  عند الحديث عن اختلالات جهاز العدل في المغرب، كثيرا ما تتجه أصابع الاتهام إلى رجال القضاء أو وزارة العدل باعتبارها وصية على القطاع، إلا أن حقيقة هذا الجهاز تعرف مساهمة الكثير من المتدخلين، من خبراء وكتاب ضبط و شرطة قضائية…حيث يشكل المحامون أهم هؤلاء المتدخلين وأكثرهم مساهمة في سير العدالة، بتشكيلهم لما يعرف بهيئة الدفاع وهي الهيئة التي يفترض أنها تساعد المواطنين إلى جانب القضاة في الوقوف على مختلف المساطر والإجراءات القانونية بغية توفير ضمانات لمحاكمات عادلة.

بغض النظر عن أخلاقيات المهنة، يتمادى بعض رجال المحاماة في عدد من التجاوزات القانونية، المكشوفة أحيانا والمتستر عنها في أغلب الحالات الأخرى، حيث يتفنن بعضهم، بحكم معرفتهم بشعاب القانون، في رسم سيناريوهات قد يذهب ضحيتها زبناؤهم من المواطنين، لينقلب بذلك رجل الدفاع إلى جاني في حق من ائتمنه على مصالحه.. ولعل أبرز وجوه هذه التجاوزات يمكن تلخيصها في ثلاث حالات أساسية: أولها، الاستيلاء على حقوق الزبناء من خلال استخلاص الودائع والتصرف في شأنها، إما بشكل نهائي، حيث يتم استغلال جهل المواطنين بالمساطر القانونية فيتم إخبارهم بوقائع غير القرارات الحقيقية التي تصدرها المحكمة، أو بحجب الأرقام المرجعية للملفات، وبالتالي تعجيز الزبون من حيث مراقبة تطور مسار ملفه، وإما مؤقتا، من خلال الاستحواذ على المبالغ المالية واستثمارها في بعض المشاريع إلى حين تسليمها لاحقا في حال رفع الزبون لشكاية تظلمية أمام أنظار نقيب المحاماة أو لدى الوكيل العام للملك، حيث يدرك المحامون طول هذه المسطرة، وإمكانية تمديدها من الناحية الزمنية، إضافة إلى إدراكهم بإمكانية وساطة النقيب أو من يمثله لأجل حل ودي بين المحامي وزبونه، وهو الأمر الذي لا يترتب عنه سوى إعادة الأموال المستلبة دون احتساب فوائدها..
ثانيا، قبول المحامي بالتواطؤ ضد موكله، حيث يقبل بعض المحامون بتلقي رشاوي لأجل عرقلة إجراءات إحدى ملفات زبنائهم أو لأجل غض النظر عن إجراء معين والاكتفاء بإجراءات أخرى قد تسمح بخسارة الدعوى المرفوعة؛ فكثيرة هي القضايا التي يمكن للإنسان ربحها في حالة استطاعته شراء ذمة دفاع خصمه، كما أن الكثير من المحامين يُعقبون على أن المطلوب منهم هو القيام بالمساطر الواجبة والتي لا تفضي بالضرورة إلى ربح الدعاوي التي يدافعون عنها… الشيء الذي يصبح معه تملص المحامي من مسؤولياته أمر غاية في السهولة، خصوصا أمام مواطنين بسطاء أغلبهم لا يعرف الكتابة أو القراءة، وبالأحرى دهاليز المحاكم وأسرارها، وحتى في حالة وجود بعض رجال المحاماة أمام مواطنين قادرين على التأكد من حسن سير قضاياهم، الظاهر أن العقوبات التأديبية المترتبة عن إخلال المحامي بواجبه في مسطرة معينة، لا ترقى إلى مستوى التعويض عن الأضرار الناجمة، حيث غالبا ما يفسر ذلك الخطأ المسطري بمجرد سهو، لا يعكس بالضرورة نية الإساءة للزبون أو لمصالحه… ثالثا ابتزاز بعض المحامين لأموال زبنائهم تحت طائلة استعصاء الحصول على حكم إيجابي إلا إذا تم إرشاء ذاك القاضي أو غيره، فالارتشاء إذا كان أمرا واقعا، فإن استثماره من طرف المحامي يكون على وجهين، الوجه الأول، عبر عرض خدمة الوساطة لدفع الرشوة، وهي عملية لا يمكن للزبون التأكد من قيمتها الحقيقية، فتسمح للمحامي، بعد وساطته، بالحصول على مبلغ مالي قد يتجاوز قيمة الرشوة المسلمة،الوجه الثاني هو افتعال رشاوي وهمية في قضايا قد لا تحتاج إلا لبعض الإجراءات الدقيقة وفق المساطر المعمول بها..
هذه النماذج من الممارسات لا تختزل كل ما يمكن لرجل الدفاع القيام به من تجاوزات قانونية قبل أن تكون أخلاقية، إلا أن الطامة الكبرى في كيفية مراقبة مخالفات المحامين، خصوصا وأن أي قرار لمتابعة الخارجين عن القانون من هيئة الدفاع، يستلزم إذنا من نقيب المحاماة، هذا في الوقت الذي تعرف فيه هذه المؤسسة النقابية بدورها أوضاعا تبعث على الكثير من الأسئلة.
فالانتخابات المؤدية لتشكيل مجلس نقابة المحامين تعرف العديد من الممارسات التي تشكك في مصداقيتها أصلا، حيث تشكل مجموعات على شكل لوبيات للهيمنة على هذا المجلس أو ذاك، وبالتالي الحفاظ على مصالح معينة؛ وإن كانت بعض المجالس تعرف نوعا من الحركية فمجالس أخرى لا تحرك ساكنا في الشكايات الواردة عنها، إلا أن المشكل الأكبر يتمثل في كون بعض المحامين يستقوون بعلاقات خاصة ببعض النقباء، الأمر الذي يجعلهم يتمادون في خروقاتهم تحت مظلة حمايته، والأمر الذي يجعلهم بعيدين على كل محاسبة ما دام النقيب من يحرك المتابعة أو لا يحركها…
لقد بلغ عدد الشكايات الوافدة على مكتب نقيب هيئة الدار البيضاء، ما مجموعه 480 شكاية، 111 منها عن طريق الوكيل العام للملك و 369 مباشرة من المواطنين، هذا مع العلم أن بعض الشكايات يتم تكرار إرسالها للوكيل العام والنقيب في الوقت نفسه، كما أن عدد الشكايات المرفوعة ما بين فاتح يناير ونهاية شهر ماي لهذه السنة بلغ مجموعها حوالي 238 شكاية، إلا أن عدد المقررات التأديبية المتخذة منذ بداية 2006 لم يتجاوز سبعة مقررات، حيث تم حل العديد من النزاعات بين المحامين و زبنائهم بطريقة ودية، وتم حفظ جزء آخر، فيما لا زال النظر جار في ملفات أخرى.
تجدر الإشارة إلى أنه يتم، في أكثر من مناسبة، التجني على بعض المحامين من قبل بعض المواطنين، خصوصا عند خسارة بعض القضايا، فليس كل المواطنين مؤهلون لفهم دور المحامي أو فهم مستحقاته الموزعة بين مصاريف الملف وأتعابه، وهو الأمر الذي يخلق في حالات كثيرة احتجاجات مجانية..
وعلى العموم، وفي الوقت الذي يعمل فيه بعض رجالات هيئة الدفاع بالدفاع عن نزاهة العدالة واستقلالها، يساهم البعض الآخر في إفسادها، وهو الأمر الذي جعل عدة أصوات ترتفع لأجل إعادة النظر في القانون المنظم لهذه المهنة النبيلة وبالتالي تحصينها.

 

شـاركها الأن
رابط مختصر