الصحراء المغربية: لماذا الإصرار على تجاهل الحقائق التاريخية ؟

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 2 ديسمبر 2020 - 12:11 مساءً
الصحراء المغربية: لماذا الإصرار على تجاهل الحقائق التاريخية ؟

*العاصمة24 – بقلم عبد الكريم بنعتيق ★وزير سابق وعضو مركز الدراسات الديبلوماسية و الإستراتيجية بباريس

و نحن نتابع يوميا تفاصيل ما حدث بمعبر الكركارات، إستشعرنا ضرورة الرجوع إلى الوراء للنبش في مجموعة من الدراسات التي تناولت القضية الوطنية ، هدفنا هو محاولة القيام بقراءة تركيبية لوقائع و أحداث بنفس ينسجم مع تساؤلات اليوم، الهدف هو تقريب الأجيال الحالية من هذه الإجتهادات المتميزة التي كان من ورائها ثلة من الباحثين و الدارسين ، آملين تقديمها في شكل تسلسل كرونولوجي و بنفحة تطغى عليها القراءة السياسية لمعطيات يسعى الخصوم طمسها اليوم، إما عن طريق تزويرها أو جرنا إلى نقاشات تتسم بالعموميات و غير مستوعبة للتفاصيل الدقيقة لمجريات الأحداث.
– تجاهل مقصود لحقائق دامغة
عندما نستقرئ المسار التاريخي للدولة المغربية، نجد أن كل من تعاقبوا على حكم المملكة المغربية، بدئ من المرابطين بجذورهم الجنوبية و الذين جعلوا من مراكش نقطة إنطلاق لدولة كبيرة إمتدت من الصحراء المغربية لتصل إلى مناطق عديدة منها الأندلس، مرورا بالحضور القوي للأقاليم الجنوبية في المنظومة الجغرافية والسياسية لدولة الموحدين و المرينين، وصولا إلى حكم السعديين بدولة إمتدت من المحيط الأطلسي إلى تخوم السودان، ثم إلى مرحلة الدولة العلوية حيث إحتل و لا يزال أهل الصحراء موقعا و مكانة متميزة لدى السلاطين العلويين .
جل الدارسين و أهل الإختصاص و المتتبعين للشأن المغربي مغاربة و أجانب، يقرون بأن المغرب دولة لها جذور تاريخية تكونت عبر قرون، الإستعمار الأوربي بشقيه الفرنسي و الإسباني قبل و بعد مؤتمر الجزيرة الخضراء، كان يعترف بالسيادة الكاملة للدولة المغربية على أراضيها، هذه السيادة تجسدت في مؤسسة السلاطين الدين تعاقبوا على الحكم ومارسوه بتعاقد قائم بينهم وبين المغاربة، من هنا نؤكد ما إتفق حوله الدارسون من بينهم الأستاذ عبد الله العروي عندما إعتبروا عقد الحماية نوعا من التفويض السلطاني المؤقت إنتهى بإسترجاع السلطان لكافة إختصاصاته، لذلك و إنطلاقا من هذه القناعة الثابة لدى الجميع ، فإن مفوضات “إيكس ليبان” و عودة الملك الشرعي من المنفى ثم إعلان إستقلال المغرب سنة 1956، لم يؤدي إلى خلق دولة جديدة لأن هذه الأخيرة لم تنمحي أثناء فترة الحماية.
وإستمرارا على هذه الرؤية و لتذكير البعض بجزء من البديهيات التاريخية، خاصة من يتجاهل عن قصد شرعية تواجد المغرب في صحرائه، يكفينا الرجوع إلى مجموعة من الأبحاث و الدراسات التي تعمقت في الحضور المؤسساتي المغربي بالأقاليم الجنوبية، و التي تناولت بالدرس و التحليل و ثائق عديدة تتبث ذلك، جزء كبير منها لا زال محفوظا في أرشيفات مجموعة من الدول المعنية بالموضوع، مثل نزول الإنجليزي ” ماكينزي” سنة 1879 بشواطئ طرفاية مدعيا أنها أرضا خلاء، لكن بفضل ضغط الدولة المغربية، آنذاك وقعت بمراكش إتفاقية في 6 يوليوز 1895، بفضلها إسترجع المغرب البنايات التي أنشأها الإنجليزي بمدينة طرفاية، هو إذا حسب المؤرخين إعتراف بريطاني آنذاك بأن طرفاية و الأراضي الواقعة جنوبها جزء لا يتجزأ من المملكة المغربية الشريفة، و من تم لا نزول بشواطئها إلا بإذن خاض من سلطان المغرب. في نفس الإتجاه لكن في سياق تاريخي آخر ، عندما وقعت إسبانيا و فرنسا معاهدة سرية سنة 1904 و التي أتت بعد إتفاقية نونبر 1902 التي لم يوافق عليها البرلمان الإسباني، خصصت لمدريد بمقتضى هذه الإتفاقية منطقتين بالشمال و الجنوب، مع إلتزام بين الطرفين على أن المناطق التي تخضع للحماية الإسبانية يجب أن تكون تحت نفوذ خليفة للسلطان، من أجل هذا تم تعيين الأمير المهدي بن إسماعيل بظهير 14 ماي 1913 خليفة للسلطان بتطوان، و من تم كل مناطق الحماية الإسبانية بالشمال و الجنوب كانتا خاضعتين لخليفة السلطان بالشمال، لتأكيد ذلك إستعان المؤرخون المغاربة بوثائق مهمة لا يرقى إليها الشك مثل تعيين السيد ” السالك بن عبد الله” من طرف خليفة السلطان بتطوان، خليفة له على طرفاية بعد إحتلالها من طرف الإسبان سنة 1916 ، و ذلك بظهير خليفي مؤرخ ب 22 دجنبر 1917، ثم تعيين السيد ” محمد الأغضف بن الشيخ ماء العينين” خليفة لخليفة السلطان بتطوان على سيدي إيفني بعد إحتلالها سنة 1934 ، بظهير مؤرخ ب 1 أكتوبر 1934، ينضاف إلى كل هذا تأكيد أهل الإختصاص، أن كل القوانين التي كانت تصدر عن خليفة السلطان بتطوان، هي وحدها المرجعية التطبيقية بالأقاليم الصحراوية الخاضعة للنفوذ الإسباني ، و كمثال على هذا الحضور القانوني ، الظهير الخليفي المؤرخ ب 12 فبراير 1941، و الذي أكد على مغربية المياه الإقليمية للشاطئ الممتد من مصب درعة إلى أقليمي طرفاية و الساقية الحمراء.
و جدير بالذكر هنا أن الإستعمار الإسباني إقتصر في البداية على التواجد في مركز الداخلة، أما المراكز الأخرى فلم تعرف حظورا إسبانيا إلا بعد سنوات عديدة كمركز طرفاية في 9 يونيو 1919، و الكويرة في 30 نونبر 1920 ، و سيدي إيفني في 6 أبريل 1934 ، أما المناطق الباقية فلم تدخلها الإدارة الإسبانية إلا بعد سنة 1939 ، السبب في ذلك هو وجود مقاومة شرسة قادها أهل الصحراء، أشار إليها كذلك المؤرخون في كتابات متعددة من بينها ، معركة ” كجوجيت” في مارس 1908 ، و معركة ” كجوجيت الثانية” في ماي 1908 ، ثم معركة ” خروفة” سنة 1907 ، و معركة ” الشملان” سنة 1906 ، فمعركة ” الغزلان” سنة 1908، ضف إليها محطات أخرى مشرقة من المقاومة الباسلة، كمعركة “سيدي بوعثمان” سنة 1912 شمال مراكش و التي واجهت فيها القبائل الصحراوية المستعمر الفرنسي .
حجج أخرى دامغة تؤكد التلاحم الذي عرفه مسار المقاومة المسلحة المرتبط بالحركة الوطنية، و الذي إعتبر آنذاك إستقلال المغرب ناقصا دون أقاليمه الصحراوية ، تجسد هذا التلاقي على أرض الميدان في معارك قوية في ما بين سنة 1956 و 1958 ، يوم إتخذت القيادة الميدانية للمقاومة المغربية فندق بوعيدة بكلميم كمقر مركزي لها ، معارك أنخرط فيها المقاومين المغاربة من الجنوب إلى جانب رفاقهم من الشمال في تلاحم نضالي، مشاركين جميعا في معارك عديدة نذكر منها معركة “مركالة” في غشت 1956 ، و معركة “الرغيوة” في دجنبر 1957 ، معركة “الشاطئ” في نونبر 1957 ، و معركة ” بوجذور” في نونبر 1957 ، ثم معركة الدشيرة في يناير 1957 .
– للقضية الوطنية مسار تاريخي :
في سنة 1960 وضعت المملكة المغربية طلبا لدى الأمم المتحدة تدعوا إسبانيا إلى الجلاء عن الأراضي المستعمرة بالصحراء المغربية ، الجواب الإسباني جاء في 19 أبريل 1961 ، عندما أكدت مدريد أن الصحراء إقليما إسبانيا ، وفي سنة 1963 اللجنة الخاصة بتصفية الإستعمار التابعة للأمم المتحدة إعتبرت الأراضي الصحراوية مشمولة بإختصاصاتها ، تبعا لذلك الجمعية العامة للأمم المتحدة في دجنبر 1965 أصدرت قرارا تطالب فيه بإنهاء الإستعمار ، و في السنة الموالية جدول الأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها 22 ناقش قضية الصحراء المغربية من جديد ، لكن هذه المرة إنطلاقا من عرائض قدمتها إسبانيا و المغرب و موريتانيا كل من جانبه يقر بأن الصحراء الغربية جزء من أراضيه .
في 20 دجنبر 1966 الجمعية العامة للأمم المتحدة تصدر التوصية رقم 29.22 تقترح فيها تقرير المصير في الصحراء من خلال إستفتاء عام للسكان، رد فعل مدريد هو إنشاء في سنة 1967 الجماعة الصحراوية التابعة لها، ثلاث سنوات بعد ذلك إنعقد بمدينة “نواديبوا” الموريتانية قمة مغاربية ثلاثية ضمت كل من الملك الحسن الثاني و الرئيس بومدين و الرئيس الموريتاني المختار ولد داداه ، كان موضوع اللقاء هو مناقشة مسألة الصحراء، الرئيس الجزائري عبر صراحة و علانية على أن لا أطماع لبلاده في المنطقة، في 5 يوليوز 1974 الحسن الثاني يبعث برسالة إلى الجينرال ” فرانكو” ينبهه من ضرورة تفادي القيام بمبادرات فردية بشأن الصحراء، و في نفس الشهر يطلب الرأي الإستشاري لمحكمة العدل الدولية ، جواب مدريد جاء في 20 غشت 1974 بإعلانها نيتها تنظيم إستفتاء لتقرير المصير إبتداء من غشت 1975 .
عندما أكدت إسبانيا أن الصحراء الغربية الموجودة جنوب خط العرض 27.4 درجة لا توجد داخل التراب المغربي المعني بالإتفاقيات الدولية، هنا تغير موقف الجزائر المعلن عنه في لقاء ” نواديبوا” معتبرة الموقف الإسباني فرصة لإبعاد الصحراء عن المغرب، مما سيجعل النقاش محصورا فيما بعد بين إسبانيا و اللجنة الأممية لتصفية الإستعمار ، من هنا يجب التأكيد و الإعتراف بأن فكرة التوجه لمحكمة العدل الدولية من طرف الراحل الحسن الثاني كان عملا إستباقيا ذكيا بعمق إستراتيجي ، تمثل هذا العمق في القدرة على تطويق الأطروحة الإسبانية و تحويل النقاش حول الصحراء المغربية من ثنائية إسبانيا و لجنة الإستعمار إلى صراع مغربي إسباني، عن طريق طرح سؤال جوهري غير مسار القضية عالميا و نقصد بذلك التطرق إلى سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.

شـاركها الأن
رابط مختصر