عبد السلام الصديقي يكتب : التفكير في الواقع الملموس لمغرب المفارقات

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 4 يونيو 2020 - 9:15 مساءً
عبد السلام الصديقي يكتب : التفكير في الواقع الملموس لمغرب المفارقات

العاصمة24 – بقلم الأستاذ عبد السلام الصديقي 

 المغرب بلد المفارقات : نلاحظ ذلك من جديد بخصوص موضوع شديد الحساسية وذي راهنية، فبينما نجد علماء الاقتصاد مدعوين في مختلف مناطق المعمور، ليس فقط لتقديم المساعدة للسياسيين، بهدف اِعداد مخططات الإنعاش، بل أيضا، وبصفةخاصة، لفتح النقاش حول مختلف سيناريوهات الإنعاش المرتبطة بالإشكاليات ذات الصلة بالمشاريع المجتمعية، نلاحظ لدينا بكل أسف غيابا يكاد يكون تَامًّا للتكوين في هذا التخصص.
وأضُمُّ صوتي هنا الى صوت زميلي مصطفى السحيمي، عَالِم السياسة البارز،والذي تساءل في مقال صدر له مؤخرا:أين غاب علم الاقتصاد؟ وهو يقصد طبعًاغياب هذا العلم في الكليات التي تحمل تجاوزااسم”العلوم القانونية والاقتصادية”. فكيف يا تُــرى وصلناإلى هذا الوضع؟وكيف نفسر هذا الجفاف العلمي وهذا البؤس الفكري اللذين يضران بمصالح بلادنا؟
وقبل تقديم بعض العناصر الجوابية، ينبغي التذكير بالسياق العام لظهور الاقتصاد كعلم، وتطوره عبر السنين، وتفرعه اليوم إلى تيارات ومدارس مختلفة.
فبصفته معرفةعامة، كان الاقتصاد دائما موجودا، وبالأخص في المؤلفات القديمة للمفكرين العرب والإغريق وغيرهم.أما بصفته علماً،فلميظهر سوى في زمن متأخر نسبيا، وذلك مع نشوء الرأسمالية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر،وأساساإثر صدور مؤلفات “أدم سميث” و”دافيد ريكاردو”.
هذا العلم الذي ظهر لم يكن عِلمًا مُحايدا،بل كان له هدف دقيق مُعَبَّرٌ عنه بوضوح،ألا وهو دعم الطابع التقدمي للرأسماليةوإبراز فضائل السوق والانتصار لمصالح البورجوازية الصاعدة آنذاك ضد الإقطاعية التي كانت تستحوذ، دون وجه حق، على الريع العقاري.
هكذا نستشفأن عِلم الاقتصاد، والذي يُعَبَّرُ عنه عن حق بالاقتصاد السياسي،تَمَوْقَعَ منذ بداياته الأولى في قلب الساحة السياسية،حيث أن العالَمَ كما تصورهالاقتصاد الكلاسيكي (البورجوازي) هو عَالَم مثالي ومتناغم تتحقق فيه التوازنات بصفة عفوية بفضل سحر”اليد الخفية”.
إلا أن هذا التصور الخيالي للعالَم سرعان ما سيلاشى،لتظهر تناقضاتٌ مختلفة وأزمات متعددة لم تتمكن شعارات البورجوازية من حلها،من قبيل (الحرية، المساواة، الأخوة…)، ليتضحأن الرأسمالية ما هي إلا مجردُ مرحلة في المسار التاريخي الإنساني، وليست بالتالي هي الأفضل للإنسانية.
في هذا السياق، ظهر تيار جديد في الفكر الاقتصادي،نقديٌّ إزاءالاقتصاد السياسي الإنجليزي،على إثرأعمال كارل ماركس مع نشر موسوعته “الرأسمال” التي لم تكتمل.
واستمرتطورُ الفكر الاقتصادي في ما بعد، في امتدادٍ لهذين التيارين الرئيسيين،إلى درجةأننا نجد أنفسنا اليوم أمام عشراتِ المدارس الفكرية التي لا يتسع المجالُ لتعدادها في هذا المقال.وهذا من بين الأسباب التي تجعلنا، اليوم، نتحدث عن “علوم اقتصادية”بدل “علم اقتصادي”، وفي نفس الوقت، لكل واحد فهمه الخاص لهذا العلم.
إن هذا التنوع المقارباتي والمنهجي هو أمر إيجابي للغاية،لأنه يحفز على التباري، ويساعدعلى تطوير الدقة في التفكير، وتحسين “تنافسية المنتوج”، وهو ما يسهل الحوارات والتبادلات العلمية بين مختلف التيارات ويمنح للجامعة،باعتبارها فضاءًلإنتاج وتطوير المعارف هيبتها. وفي هذا التنافس المتواصل بين مختلف المدارس الفكرية، الذي لا يمكن عزله عن الصراعات الاجتماعيةوالسياسية في الساحة، نسجل عدة مراجعات فكريةواجتهادات نظرية وانتقادات وانتقادات ذاتية. وبعبارةأدق،نسجل تجديدا للفكر وتخصيبا للعقل.
وبحذفها تدريس العلوم الاقتصادية، كفكر جامع،أقدمت الجامعةالمغربية على قتل هذه الديناميةالهادفة الى “خلق جماعي” باستعارة عنوان كتاب مشهور للكاتب هنري بارتولي (H.Bartoli)، أخصائي كبير في قضايا الشغل “الاقتصاد والخلق الجماعي”. فلم يعد الاقتصاد السياسي يُدرس كما كان من قبل، بل تم “تفتيته”إلى أجزاء، ولم يعد متلائما مع العالم الواقعي.
إن مسؤولية هذه “الفاجعة”، وهي كذلك فعلاً، تعود الى الجامعة والجامعيين أنفسهم، كما تعود إلى المقاولةالمغربية التي تُعبر عن نوع من الازدراء المبطن تُجاه الاقتصادي، والذي يُعتبر في نظرها إنسانا”خطير”مُفضلةً عليه “المُدبر”الصرف والمنضبط. واستجابةلإكراه”قابلية التشغيل” تم حذف جميع المواد التي لها علاقةبالفلسفة التي تعمل على تطوير الفكر النقدي.
وعليه، نعتبر أنه حان الوقت لرد الاعتبار إلى العلوم الاقتصادية، والعلوم الاجتماعيةبصفةعامة،لأن “الطبيعةالحقيقيةللإنسان” ليست مُعطىً ساكنا لا يتغير، بل هي مجالٌ للحرية حسب هنري برتولي، وهذه الحريةتبتدأ بالفكر وتنتهي عند الفعل.

شـاركها الأن
رابط مختصر